محمد علي الحسن
196
المنار في علوم القرآن
--> ويؤيد ذلك تأييدا واضحا أن الإمام البخاري وهو سيد المحدّثين في صحة سنده ترك هذين اللفظين ( الشيخ والشيخة ) وطرحهما من روايته عمدا كما قال شارحه الحافظ ابن حجر ، وهذا يدل دلالة بينة على أن الإمام البخاري رحمه اللّه لم ير أن هذين اللفظين ( الشيخ والشيخة ) من الحديث ، ولا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قالهما ، لا على أنهما قرآن نزل ثم نسخ ولا على أنهما غير قرآن . قال البخاري ح ( 6829 ) : حدثنا علي بن عبد اللّه ، حدثنا سفيان عن الزهري ، عن عبيد اللّه عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : قال عمر : لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل : لا نجد آية الرجم في كتاب اللّه ، فيضلوا بترك فريضة أنزلها اللّه ، ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينة ، أو كان الحمل أو الاعتراف - قال سفيان : كذا حفظت - ألا وقد رجم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ورجمناه بعده . فهذا الحديث وهو من أعلى وأرفع الأسانيد ، لم يذكر فيه ( الشيخ والشيخة ) ومعناه كلّه منصب على إثبات حد الرجم للمحصن ، وهو أمر مجمع عليه من الأمة سلفها وخلفها ، ولم يشذ عن هذا الإجماع إلّا طوائف من الخوارج والمعتزلة ، فإنهم أنكروا حدّ الرجم ، وقالوا : لم يكن الرجم في كتاب اللّه ، وقول عمر : ( فيضلوا بترك فريضة أنزلها اللّه ) ، يحتمل أن المراد من إنزال اللّه إياها وحيه بها إلى نبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وحيا غير قرآني ، فتكون فريضة الرجم ثابتة بوحي السنة ، ويدل لذلك قول عمر رضي اللّه عنه : ( ألا وإن الرجم حقّ على من زنى وقد أحصن ) ، بل يجب حمل كلام عمر على هذا الوجه السديد . وهذه الحقّية للرجم لا يلزم أن تكون ثابتة بنص قرآني ، بل يكفي فيها أن تكون ثابتة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث صحيح ، كما يستفاد ذلك من قوله : « ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه » . فالبخاري رحمه اللّه لم يذكر في روايته الثابتة الصحيحة ( الشيخ والشيخة ) لأنهما لم تثبتا عنده ، لا لأنهما سقطتا من روايته ، كما تقوّله عليه بعض من يجري وراء السراب . وإخراج الإسماعيلي لهذا الحديث من طريق الفريابي عن شيخ البخاري علي بن عبد اللّه وفيه : وقد قرأناها : ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ) لا يلزم البخاري صحة هذه الرواية ، ولهذا قال ابن حجر : ولعل البخاري هو الذي حذف ذلك عمدا ، ولكن ابن حجر لم يعلّل لتعمد ترك البخاري لهذين اللفظين ، ولم يوجه تعمد البخاري حذفه لهذه الزيادة التي جاء بها من رواية الإسماعيلي من رواية جعفر الفريابي ، والظاهر أنها لم تصح عند البخاري ، ولذلك تعمد حذف هذين اللفظين . ويؤيد صنيع البخاري في تعمده حذف هذه الزيادة لعدم صحتها عنده أن النسائي أخرج هذا الحديث عن محمد بن منصور ، عن سفيان كرواية أبي جعفر الفريابي ، أي بزيادة ( الشيخ والشيخة ) وقد عقب النسائي على ذلك فقال : ما أعلم أحدا ذكر في هذا الحديث ( الشيخ والشيخة ) ، غير سفيان ، وينبغي أن يكون وهم في ذلك ، ويؤيد توهيم النسائي لسفيان في ذكر