محمد علي الحسن

185

المنار في علوم القرآن

المبحث الرابع التعريف بالنسخ كتب فيه خلائق لا يحصون ، واتفق العلماء على جوازه ووقوعه في القرآن الكريم ، ولم ينكره أحد من الأقدمين ، إلّا ما روي عن أبي مسلم الأصفهاني - المعتزلي - ووافقه من المتأخرين الإمام محمد عبده وتابعه الشيخ الباقوري والشيخ محمد الغزالي وعبد المتعال محمد الجبري الذي ألف كتابا في إبطال النسخ ، وقد تصدى للرد عليهم الدكتور مصطفى زيد في رسالته القيمة ، والتي كان موضوعها « النسخ في القرآن الكريم » ، وقد أثنى على بحثه الشيخ محمد أبو زهرة ، والكتاب يقع في مجلدين ، وقد استوعب هذه القضية استيعابا بما لا مزيد عليه . ونحن في هذه العجالة لا نستطيع التعرض لهذه القضية بتمامها ، بل سنوجز الكلام بما يفي بالغرض في هذا المقام . معنى النسخ لغة : للنسخ في اللغة ثلاثة معان : أولا - بمعنى الإزالة : ومن ذلك قولهم : نسخت الشمس الظلّ ، إذا أزالته ، أي : أذهبت الظلّ وحلّت محله ، ونسخ الشيب الشباب ، إذا أزال سواد الشعر وحلّ محله بياضه ، فهنا الإزالة بعوض أو ببدل ، وقد تكون الإزالة من غير عوض كقولهم : نسخت الريح الأثر ، أي : أزالته ولم تحل مكانه ، بل ذهبت هي أيضا ، فلم يبق ريح ولا أثر ، وبمعنى الإزالة ورد قوله تعالى : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها . . [ البقرة : 106 ] . ثانيا - النسخ بمعنى النقل ، أي : نقل الشيء من موضع إلى موضع ومن ذلك قولهم : نسخت الكتاب ، أي : نقلت ما فيه ، ومن هذا المعنى قوله تعالى : إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ الجاثية : 29 ] .