محمد علي الحسن

183

المنار في علوم القرآن

ما لا يعمل به مفهوم المخالفة : 1 - لا يعمل بمفهوم المخالفة للاسم واللقب ، فإذا حكمنا على زيد بالقيام ، فلا يعنى الحكم على غيره بالقعود وعدم القيام ، لأن زيدا علم . ولا يعمل بمفهوم المخالفة لاسم الجنس ، فقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « في الغنم زكاة » لا ينفي وجوب الزكاة في غير الغنم ، لأن الغنم اسم جنس ، وقد ذكر علماء الأصول أنواعا أخرى وفيها خلاف طويل . 2 - إذا ورد الشرع بإبطال المفهوم في الأنواع التي يعمل بها والتي سبق ذكرها ، كمفهوم الشرط مثلا في قوله تعالى : وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً . . [ النور : 33 ] . مفهوم الآية أنه يجوز البغاء منهن إذا لم يكرهن أحد ، أي إذا لم يردن التحصن ، وهذا المفهوم باطل لقوله تعالى : وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً . . [ الإسراء : 32 ] . وقد يقال : فلما ذا ذكر هذا الشرط وهو غير مراد بالآية ؟ وهل هذا إلّا إهمال لذكره أو تفريغ لمحتواه ، وهو عبث محض ؟ نقول : إن ذكر هذا فيه فائدة إذ فيه تقريع وتوبيخ وتقبيح لهذا الفعل بهذه الصورة ، حالة الإكراه على الزنا لمن تريد العفاف ، فالنهي عن هذه الصورة لا يدل على إباحة ما عداها كالزنا مزاجا وموافقة منها ، وإنما حرمت الآية هذه الصورة لما ورد في سبب نزول الآية من إكراه أمية بن خلف لجواريه على الزنا ، فشكون ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنزل قوله تعالى : وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ . . الآية « 1 » . ومثال آخر : قوله تعالى : لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً [ آل عمران : 130 ] .

--> ( 1 ) وقد أراد بعض ضعاف النفوس أن يثبت الاعتزاز بالقومية العربية ، وقال : إن هذه الآية تدل على إباء وشمم الفتاة العربية ، إذ لم تكن تقبل على البغاء إقبالا ، وإنما كانت تكره عليه إكراها ، وما علم هذا المدعي أن هذه الآية إن دلت على إباء الفتاة العربية إذ لم تأت الزنا إلّا بالإكراه ، فهي تدل أيضا على خنوع من يكرههن ، وهو من العرب أيضا !