محمد علي الحسن

169

المنار في علوم القرآن

المبحث الخامس رسم المصحف نقصد برسم المصحف ، أو كما يسميه بعض العلماء الرسم العثماني وهما واحد ، لأن عثمان - رضي اللّه عنه - قد كتب المصاحف كما كتبت في عهد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأقرّ كتّاب الوحي على كتابتها بصورتها المعروفة . وقد اختلف العلماء في الرسم فذهب فريق منهم أن الرسم توقيفي . قال ابن المبارك في كتابه الإبريز : قال الدباغ : ( ما للصحابة ولا لغيرهم في رسم القرآن العزيز ولا شعرة واحدة ، وإنما هو توقيف من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو الذي أمرهم أن يكتبوه على الهيئة المعروفة بزيادة الأحرف ونقصانها لأسرار لا تهتدي إليها العقول ، وما كانت العرب في جاهليتها ، ولا أهل الإيمان من سائر الأمم في أديانهم يعرفون ذلك ، ولا يهتدون بعقولهم إلى شيء منه ، وهو سر من أسراره ، خصّ اللّه كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية ، فلا يوجد شبه ذلك الرسم لا في التوراة ولا في الإنجيل ، ولا في غيرهما من الكتب السماوية . وكما أن نظم القرآن معجز فرسمه أيضا معجز ، وكيف تهتدي العقول إلى سر زيادة الألف في مائة دون فئة ، وإلى سر زيادة الياء في بأييد من قوله تعالى : والسّماء بنيناها بأييد . . [ الذاريات : 47 ] . أم كيف يتوصل إلى سرّ زيادة الألف في « سعوا » في قوله تعالى : وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ [ الحج : 51 ] . وعدم زيادتها في سعو من قوله تعالى : وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ [ سبأ : 5 ] . وإلى سر زيادتها في قوله تعالى : فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ . . [ الأعراف : 77 ] . وحذفها من قوله تعالى : وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً [ الفرقان : 21 ] .