محمد علي الحسن
163
المنار في علوم القرآن
4 - في هذه الرواية أخبار عن حرق عثمان للمصاحف ، سواء أكانت صحفا أم مصاحف ، وفي عمله جمع للمسلمين على المصحف الموحد الثابت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وترك ما سواه ، لما حوته من قراءات شاذة أو تفسيرات زائدة . ولقد غالى بعض الشيعة في قضية حرق المصاحف ، وزعمت ما زعمت ، وكان الأحرى بهم أن يقفوا عن هذه المغالاة ، وأن يستمعوا إلى قول الإمام علي كرم اللّه وجهه : فيما ذكره أبو بكر الأنباري عن سويد بن غفلة قال : سمعت علي بن أبي طالب يقول : ( يا معشر الناس ، اتقوا اللّه ، وإيّاكم والغلو في عثمان ، وقولكم : حرّاق المصاحف ، فو اللّه ما حرقها إلّا على ملأ منا أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ) . وعن عمير بن سعيد قال : قال علي بن أبي طالب : ( لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان ) « 1 » . هذا كلام علي - رضي اللّه عنه - الذي يتشيعون له ويفضلونه على جميع الصحابة ، قد ارتضى فعل عثمان وحسنه ، وحث الناس على الثناء عليه من أجله ، فطعنهم فيه بأمر ارتضاه عليّ يعتبر طعنا منهم في عليّ نفسه . لم يكتف بعض الشيعة بالطعن في عثمان ، بل زعموا أن عثمان رضي اللّه عنه قد أسقط شيئا من القرآن ، وحرّف بعض آياته ، والمنصف منهم يرفض هذا الزعم كما ورد في كتاب أبي جعفر « الأم » : ( إن اعتقادنا في جملة القرآن الذي أوحى به اللّه تعالى إلى نبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم هو كل ما تحتويه دفتا المصحف المتداول بين الناس ، وعدد السور المتعارف عليه هو ( 114 ) سورة ، أما عندنا فسورتا الضحى والشرح تكونان سورة واحدة ، وكذلك سورتا الفيل وقريش ، وأيضا سورتا الأنفال والتوبة . أما ما ينسب إلينا الاعتقاد في أن القرآن أكثر من هذا فهو كذب ) . ولقد شهد المستشرقون على قطعية القرآن وثبوته دون تغيير ولا تبديل . يقول جوير : ( إن المصحف الذي جمعه - نسخه - عثمان قد تواتر إلينا دون تحريف . ولقد حفظ بعناية شديدة ، بحيث لم يطرأ عليه أي تغيير على الإطلاق في
--> ( 1 ) القرطبي 1 / 54 .