محمد علي الحسن

152

المنار في علوم القرآن

المبحث الأول الجمع في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لقد جمع القرآن في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حفظا وكتابة ، أما حفظه في الصدور فقد تجلى في حفظ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لهذا القرآن ، فقد كان يتشوق ويتلهف لنزول الوحي ، فما إن ينزل بالآيات إلّا ويعجل النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بحفظها ، لذا طمأنه اللّه سبحانه وأرشده إلى عدم الإسراع والتعجل بالقرآن قال تعالى : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ 16 إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ 17 فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ 18 ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ [ القيامة : 16 - 19 ] . وقال تعالى : . . وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ . . [ طه : 114 ] . ومن هنا كان صلّى اللّه عليه وسلّم جامع القرآن في قلبه الشريف ، وسيد الحفاظ في عصره المنيف ، ومرجع المسلمين في كل ما يعنيهم من أمر القرآن وعلوم القرآن ، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يقرؤه على الناس على مكث ، كما أمره مولاه ، وكان جبريل يعارضه إياه في كلّ عام مرة ، وعارضه إياه في العام الأخير مرتين . قالت عائشة وفاطمة رضي اللّه عنهما : سمعنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إن جبريل كان يعارضني القرآن في كل سنة مرة ، وأنه عارضنا العام مرتين ، ولا أراه إلّا حضر أجلي » « 1 » . أما الصحابة رضوان اللّه عليهم فقد أخذ القرآن قلوبهم ، فأخذوا يتسابقون في حفظه - أحيوا ليلهم وسمع لبيوتهم في غسق الدجى كدوي النحل بالقرآن . بل عرفت منازلهم من سماع تلاوتهم للقرآن ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل ، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل ،

--> ( 1 ) مناهل العرفان ، 1 / 234 . والحديث أخرجه البخاري في صحيحه ح ( 3624 ) ومسلم ( 2450 ) ( 99 ) .