محمد علي الحسن
142
المنار في علوم القرآن
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ . . [ البقرة : 198 ] . . . فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ . . . [ البقرة : 229 ] . . فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ . . [ البقرة : 230 ] . ومن هنا فهم عروة أن السعي بين الصفا والمروة ليس بفرض ، لأن عبارة الآية تدل بمقتضى الاستعمال اللغوي على الإباحة ، والإباحة تنافي الوجوب ، لأن الإباحة لا إلزام فيها ، بخلاف الوجوب . ولولا قوله تعالى : . . مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ . . [ البقرة : 158 ] . لما فهم من الآية أن السعي عمل مرغّب فيه شرعا ، فتدل الآية بمجموعها على الترغيب فيه وامتناع وجوبه ، ولكن من يقف على سبب نزول الآية يعرف أنها لا تنافي وجوب السعي بين الصفا والمروة ، فقد روي أن فريقا من الصحابة تحرجوا من الطواف بهما ، لأن أهل الجاهلية كانوا يفعلونه ، وكانوا في ترددهم بين الصفا والمروة يتمسحون بصنمين كانا عليهما ، فتأثموا من عمل هو من أعمال الجاهلية ، وكان يقترن به عمل من أعمال الوثنية فنزلت . وروي أن الأنصار كانوا في الجاهلية يحجون إلى الصنم الذي يقال له مناة ، ولا يتحللون من الطواف بهما ، لأنه لم يكن ذكر في القرآن في ذلك الوقت . وكان الذي ذكر هو الطواف بالبيت العتيق فنزلت « 1 » . ويجمع بين هذه الروايات كلها بأنها نزلت عقب تأثم الجميع ، والمعقول أن هذا التأثم إنما وقع منهم قبل أن يسمعوا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شيئا في طلب السعي ، وإلّا فحينئذ لا يعقل أن يتأثموا ، فجاءت عبارة الآية على ما كان في نفوسهم من التأثم ، تبين لهم أن هذا الأمر لا إثم فيه ولا جناح ، فالمقصود منه إزالة ما كان في نفوسهم من التأثم لا نفي الوجوب ، ولكن عروة لم يعرف سبب النزول ففهم أن الآية تنافي الوجوب . وقد دلت السنّة على وجوبه ، وقد عرف عروة من خالته عائشة سبب نزولها ، ولمّا عرف اهتدى إلى المقصود منها .
--> ( 1 ) انظر هذه الروايات في فتح الباري 3 / 315 .