محمد علي الحسن

137

المنار في علوم القرآن

ومثالا له ما رواه البخاري عن أنس بن مالك قال : قال أبو جهل : ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) فنزل قوله تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ 33 وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [ الأنفال : 33 - 34 ] « 1 » . وهناك ألفاظ وقرائن تدل على سبيل الرجحان على سبب النزول ، كأن ترد الفاء التعقيبية داخلة على مادة نزول الآية بعد سرد حادثة ما ، أو بذكر سؤال طرح على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، كأن يقول : سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن كذا فنزلت . فهذا يدل على الرجحان ، لا على سبيل الجزم ، كما رأى ذلك بعض الباحثين لأنني وجدت آثارا كذلك ولم تدل على السبب ، ويستوي في ذلك أن يكون السؤال الذي نزلت الآيات بسببه متصلا بأمر مضى كقوله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ [ الكهف : 83 ] . أو بأمر حاضر كقوله : يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ . . [ النساء : 153 ] . فنزلت في اليهود قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : إن كنت نبيا فأتنا بكتاب جملة من السماء كما أتى موسى . أو بأمر مستقبل نحو قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها . . [ الأعراف : 187 ] . كما لا ينبغي أن يفهم كل سؤال ورد في القرآن وأجيب عنه ، يدل على سبب النزول ، فقد ورد لفظ يسألونك في اثني عشر موضعا ، ولم يثبت لأكثرها سبب للنزول ، وإن حاول بعض المفسرين أن يتمحل لها سببا وأتى بما لا طائل تحته . بقي تحقيق القول فيما إذا قال الصحابي : نزلت هذه الآية في كذا ، هل يدل ذلك على سبب ؟ . نقل السيوطي عن ابن تيمية أنه قال : قولهم : نزلت هذه الآية في كذا ، يردا به تارة سبب النزول ، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية ، وإن لم يكن السبب ، كما

--> ( 1 ) والحديث رواه البخاري في صحيحه ( 4648 ) و ( 4649 ) .