محمد علي الحسن

112

المنار في علوم القرآن

فالجواب : إنهما قطعا حقيقتان متغايرتان مختلفتان ، وإن تداخلتا تداخلا طفيفا . أما وجه التغاير والاختلاف فالحرف غير القراءة كما بينا ، أما وصف الاثنين بالسبعة ، فالسبعة الأولى أي الأحرف السبعة ربانية المصدر بعددها ، فالقرآن نزل على سبعة أحرف ابتداء ، أما السبعة التي هي وصف للقراءات فهي اصطلاح عند علماء القراءات ، فابن مجاهد رأى أن أشهر القراء سبعة ، وهذا ما أوقع في الإشكال . أما وجه التداخل فهو أن الأحرف السبعة ربانية كما بينا ، والقراءات السبع وإن كانت منسوبة إلى القراء السبعة ، إلّا أنها ليست من وضعهم بل هم قرءوها كما نزل بها الوحي السماوي فليست القراءات سبع على وجه التحديد ، إنما هي اختلاف ألفاظ الوحي كما نطقها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وأخيرا فقد عقد القرطبي فصلا في مقدمة تفسيره وقال : هذه القراءات السبع التي تنسب للقراء السبعة ، ليست هي الأحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بها ، فالقراءات هي اختيارات أولئك الأئمة السبعة « 1 » . قال أبو شامة : ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث « أنزل القرآن على سبعة أحرف » وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة وإنما يظن بعض الجهال « 2 » . وبهذا الكلام رفع الإشكال . أما القضية فهي : هل القرآن الكريم الذي بين أيدينا يحوي الأحرف السبعة ؟ وهل أمر عثمان بن عفان بكتابة الأحرف السبعة أو أنه أمر بإهمال ستة منها والإبقاء على حرف واحد . قبل الإجابة نبادر أولا بتقرير حقيقة لا مجال للشك فيها عند الفريقين المختلفين في وجود الأحرف السبعة ، هذه الحقيقة مسلم بها عند كلا الفريقين ، ألا وهي أن القرآن الكريم الذي بين أيدينا اليوم لا نقص فيه ولا زيادة على ما جمعه عثمان بن عفان ، وبعث به إلى الأمصار ، وإن ما صنعه عثمان كان بإجماع الصحابة رضوان اللّه

--> ( 1 ) الجامع لأحكام القرآن 1 / 48 . ( 2 ) اللئالئ الحسان ، ص 183 .