محمد سعيد رمضان البوطي
53
من روايع القرآن
هدي الصحف الأولى ، يقوم على إملاء خاص به في ذلك العصر وفيما بعده أيضا . وإنك لتجد في إملائه من أنواع الزيادات والحذف للحروف والمدود وطريقة الرسم ، ما لم يكن معهودا حتى عند كثير من القبائل العربية إذ ذاك . إلا أنه كان يتفق في جملته مع الرسم القرشي في ذلك الوقت ، ومن هنا قال عثمان رضي اللّه عنه للكاتبين : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في كلمة من كلمات القرآن ، فاكتبوها بلسان قريش ، فإن القرآن أنزل بلسانهم « 1 » . ولقد ظهر تطبيق هذه الوصية ، عندما اختلف الكتّاب الأربعة في كيفية رسم « التابوت » في قوله تعالى : وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ . . . ( البقرة : 248 ) ، فقد قال زيد « التابوة » وقال القرشيون « التابوت » وترافعوا إلى عثمان فقال : اكتبوا « التابوت » فإنما أنزل القرآن على لسان قريش « 2 » . فقد علمت إذا ، أن في الرسم القرآن في عهده الأول ، ظاهرتين : الظاهرة الأولى : أن له إملاء خاصا به من حيث كيفية كتابة الهمزة مثلا ، أو الأحرف اليائية والواوية ومن حيث الزيادة والنقص وما شابه ذلك . الظاهرة الثانية : أنه كان مجردا عن الشكل الذي يوضّح إعرابه ، وعن النقط الذي يميز الأحرف المعجمة عن المهملة . فأما الظاهرة الأولى : فقد استمرت فيما بعد ، ولم يطرأ عليها تغيير أو تحوير يذكر ، فقد أخذ الناس يعتبرون الرسم القرآني رسما معينا خاصّا به ولم يجدوا ما يدعوا إلى مدّ يد التغيير إليه ، بعد أن وصل إليهم بهذا الشكل صورة طبق الأصل للكتابة المعتمدة الأولى ، بل لقد رأى العلماء أن الحيطة في حفظ القرآن تدعوا إلى وجوب إبقائه على شكله الأول ، وتحريم أو تكريه أي تطوير كتابي فيه ، تطبيقا للقاعدة الشرعية الكبرى : سدّ الذرائع .
--> ( 1 ) صحيح البخاري : 6 - 98 . ( 2 ) البرهان : 1 - 376 ، والإتقان : 1 - 98 .