محمد سعيد رمضان البوطي
46
من روايع القرآن
واللّه خير ، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح اللّه صدري لذلك ، ورأيت في ذلك الذي رأي عمر قال زيد : قال أبو بكر : إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك ، وقد كنت تكتب الوحي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فتتبّع القرآن فاجمعه . فو اللّه لو كلفوني نقل جبل من الجبال ، ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن . . فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال ، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره : « لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم » . فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه اللّه ثم عند عمر حياته ، ثم عند حفصة بنت عمر رضي اللّه عنهما « 1 » . فالجديد الذي أمر به أبو بكر رضي اللّه عنه ، هو جمع ما تفرق من الرقاع والعسب وغيرها ، ثم استنساخها منها إلى صفحات مرتبة مجتمعات ، تكون محفوظة في دار الخلافة ومرجعا للمسلمين في كيفية القراءة والأداء . ولم يكن عبارة عن مجرد جمع تلك القطع المتناثرة إلى بعضها بخيط ، كما قد يتصور بعض الناس ويفهمه من كلمة « جمع القرآن » وقول أبي بكر لزيد « فتتبّع القرآن فاجمعه » . وإنما كانت مهمة زيد التي وكلت إليه هي جمع هذه المتفرقات ثم الكتابة على منوالها من جديد . يدلّ على ذلك ما رواه ابن أشتة في المصاحف عن الليث بن سعد قال : أول من جمع القرآن أبو بكر وكتبه زيد . وأكد ذلك الحارث المحاسبي في كتابه فهم السنن . ويؤكد ذلك ما رواه ابن أبي داود من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر قال لعمر ولزيد : اقعد على باب المسجد ، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب اللّه ، فاكتباه . قال ابن حجر في الفتح : ورجاله ثقات « 2 » . وإذا وقفت على النهج الذي كان يسير عليه زيد رضي اللّه عنه في الاستيثاق من الآية عند كتابتها ، أدركت مدى الدقة العظيمة التي امتدت مع المراحل التاريخية المختلفة لكتابة القرآن وجمعه . فقد كان لا يكتب من القرآن
--> ( 1 ) البخاري : 6 - 98 . ( 2 ) انظر الإتقان : 1 / 58 وفتح الباري : 9 / 11 .