محمد سعيد رمضان البوطي

37

من روايع القرآن

أسباب النّزول تبيّن لك مما ذكرناه من نزول القرآن منجّما وأسباب ذلك ، أن كثيرا من آيات القرآن كان ينزل بمناسبات ولأسباب . والواقع أن آيات القرآن تنقسم إلى طائفتين بالنظر لأسباب النزول ، فأما الطائفة منها - وهي التي تتعلق بالتشريع والأحكام والأخلاق - فمعظمها كان نزوله مرتبطا بأسباب ووقائع ، وأما الطائفة الأخرى - وهي التي تتحدث عن الأمم الغابرة وما حلّ بها أو عن وصف الجنة والنار والقيامة - ففيها الكثير مما نزل ابتداء بدون سبب أو واقعة معينة . وسنتحدث أولا عن حكمة هذا الأمر ، ثم عن أمثلة ونماذج لذلك ، ثم عن أهمية معرفة أسباب النزول للتمكّن من تفسير الآيات على وجهها الصحيح ، ثم عن أهمية « أسباب النزول » من حيث إنه علم مستقل من علوم القرآن وعن اهتمام العلماء بالكتابة عنه وإفراد التآليف فيه . أولا - حكمة ارتباط الآيات بأسباب النزول : ولقد علمت أن في القرآن الكثير مما نزل ابتداء بدون سبب . وإذ تأملت ، وجدت أن معظم ما نزل ابتداء إنما هو من نوع الوصف والإخبار ، وأن معظم ما نزل بسبب إنما هو من نوع الأوامر والنواهي والتوجيه والإرشاد . وهذه الظاهرة تدلك على الحكمة في هذا الأمر . فهذا النوع الثاني من الآيات ، إنما شأنه تحويل حياة الناس إلى الأفضل