محمد سعيد رمضان البوطي
33
من روايع القرآن
حكمة نزول القرآن منجّما : هنالك حكم هامة وكثيرة تتعلق بنزول القرآن منجما ، نذكر منها ما يلي : أولا - لقد قضت سنّة اللّه تعالى في عباده أن يلاقي النبي عليه الصلاة والسلام أذى كبيرا من قومه من أجل نهوضه بينهم بتبليغ رسالة ربه ، وقد لاقى من ذلك أنواع الشدائد التي جعلته بينهم مدة طويلة غريبا لا ناصر له . ولقد كان لاتصال الوحي به إذ ذاك وتتابع نزول الآيات عليه تشدّ من أزره ، وتحمله على الصبر والمصابرة ، وتعده بالنصر والتأييد في النهاية - كان لذلك أبلغ الأثر في مواساته وتخفيف تلك الشدة عنه وإزاحة معاني الغربة والضعف عن نفسه . فمن هذه الآيات مثلا قوله تعالى : فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ، وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ ( ق : 29 ، 49 ) . ومن ذلك قوله تعالى : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ، إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ، الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ، وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( الحجر : 94 - 99 ) . فلو أن القرآن نزل كله عليه جملة واحدة ، لكان لانقطاع الوحي عنه بعد ذلك أثر كبير في استشعاره الوحشة والغربة . ومهما يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد أوتي من العزيمة والصبر ، فإن لبشريته أيضا أثرا بيّنا في حياته ما دام أنه بشر . وقد كان لديه صلّى اللّه عليه وسلّم من قوة الإيمان باللّه ما يكفي لأن يحمله على تبليغ دعوة ربه والجهاد في سبيلها ؛ ولكنه على ذلك لم يكن به غناء عن المواساة والمعونة والتصبير إذ يأتيه كل ذلك من ربه المرة تلو المرة يعيده إلى الأمن والانشراح والأنس والرضى .
--> يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ مرجحا رواية ابن عباس التي رويت بطرق عدة . وانظر البرهان للزركشي 1 / 209 والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 1 / 60 .