محمد سعيد رمضان البوطي
29
من روايع القرآن
فقد كان اللّه عزّ وجلّ قادرا على أن يربط على قلب رسوله ، ويطمئن نفسه بأن هذا الذي كلّمه ليس إلا جبريل : ملك من ملائكة اللّه جاء ليخبره أنه رسول اللّه إلى الناس ؛ ولكن الحكمة الإلهية الباهرة تريد إظهار الانفصال التام بين شخصية محمد صلّى اللّه عليه وسلّم قبل البعثة ، وشخصيته بعدها ، وبيان أن شيئا مما قد نزل إليه من هذا الكتاب لم يطبخ في ذهنه مسبقا ، ولم يتصور الدعوة إلى شيء منه سلفا . غير أن هذا وحده لا يكفي جوابا على كل شيء في الموضوع . فقد يسأل سائل : فلما ذا كان ينزل عليه صلّى اللّه عليه وسلّم الوحي بعد ذلك ، وهو بين الكثير من أصحابه ، فلا يرى الملك أحد منهم سواه ؟ والجواب أنه ليس شرط وجود الموجودات أن ترى بالأبصار ، إذ إن قوة الإبصار فينا محدودة بحدّ معين ، وإلا لاقتضى ذلك أن يكون الشيء معدوما إذا ابتعد عن البصر بعدا يمنع من رؤيته . على أن من اليسير على اللّه عزّ وجلّ - وهو الخالق لهذه العيون المبصرة - أن يزيد في قوة ما شاء منها فيرى ما لا تراه العيون الأخرى . ولعلك تعلم أن هنا لك ألوانا لا تراها كل العيون ، وهنالك أيضا - كما يقول مالك بن نبي - مجموعة من الإشعاعات الضوئية دون الضوء الأحمر وفوق البنفسجي لا تراها أعيننا ، ولا شيء يثبت علميا أنها كذلك بالنسبة لجميع العيون . فلقد توجد عيون أقل أو أكثر حساسية « 1 » . ثم إنك لو ذهبت تحلّل الوحي بأنه ظاهرة نفسية داخلية ، لامتزج القرآن بالحديث ، ولما أمكن أن يكون ثمة أي فرق بينهما ، مع أن الفرق بينهما ظاهر واضح ، يتمثل في أسلوب كلّ منهما ويتمثل في علاقته صلّى اللّه عليه وسلّم بكلّ منهما . فقد كان يرسل ألفاظ الحديث إرسالا ، مكتفيا بأن يستودعه ذاكرة أصحابه ، على حين يأمر بتسجيل كل ما يوحى إليه من آي القرآن ويظل يكرره ويعيده خوفا من أن ينساه فلا يذكره . وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يسأل عن كثير من الأمور فلا يجيب عليها ، وربما مرّ على
--> ( 1 ) انظر الظاهرة القرآنية لمالك بن نبي .