محمد سعيد رمضان البوطي

14

من روايع القرآن

ثم إن هذا الكتاب الإلهي العظيم ، ينطوي على علوم مختلفة هامة ، تتعلق بمضمونه وتاريخ نزوله ، كما ينطوي على صور رائعة من الجمال في تعبيره وأسلوبه وإنما يتعلق الغرض هنا بعرض سريع موجز لكلا الجانبين . إذ لا معنى لدراسة الأدب العربي بدون أيّ دراسة لينبوع هذا الأدب كله ، وهو القرآن . ولا قيمة لدراسة فنون العربية وعلومها بدون الرجوع إلى ميزان هذه العلوم ومعتمدها الأول ولا اعتبار لأدب أديب يترطن في تلاوة القرآن ولا يكاد يبين . وهذا يعني أن الغرض إنما يتناول من ذلك كله ، القدر الذي يخصّ العربية وعلومها وآدابها ، أما ما يمتد من وراء ذلك إلى علوم الفقه وأصوله أو التفسير وعلم الكلام ، فلا شأن لنا به في هذا المقام . وهذه الحاجة المحدودة بهذا الشكل والقدر ، هي التي ألجأتني إلى الكتابة في هذا الفن ، رغم كثرة الشواغل والصوارف المختلفة . فقد رجعت إلى كل ما وقع تحت يدي من كتب هذا البحث مما ألّف قديما وحديثا ، فما وجدت فيه شيئا يفي بحاجة من يقبل على دراسة الأدب العربي ، وإن كان كلّ منها يقع موقعا من حاجته ويسدّ مسدّا فيها . فالبعض منها يتناول زاوية صغيرة محدودة من مجموع ما يتعلق به الغرض في هذا المقام ، والبعض منها يطنب ويتوسع في أبحاث علوم القرآن حتى يتجاوز الأمر بالقارئ حدود العربية وآدابها إلى الإسلاميات وعلومها . ولقد انتهى الضعف بطلاب العربية وعلومها في عصرنا إلى حدّ لا يكادون يستطيعون التعرّف فيه على شيء من هذه الكتب أو الأمّهات القديمة ، ولا يكادون يملكون صبرا على قراءتها أو تصفحها ، ويبدو أننا ( ويا للأسف ) لم ندرك بعد سرّ هذه الغاشية ولا علاجها . فمن أجل كل ذلك اضطررت إلى أن أكتب بضع صفحات في هذا الفن ، أتيمم فيها حاجة الأدب العربي وكفايته ، واستهدف من ورائها أن يتذوق طلاب العربية هذا السموّ الرائع في البيان القرآني ، تذوقا جيدا . فإنهم إذا تذوقوه طربوا له ، وإذا طربوا له أقبلوا إليه قراءة وفهما ، وإذا أقبلوا إليه بهذا