مجموعة مؤلفين
41
مقدمات في علم القراءات
وقال الإمام مكي بن أبي طالب : « إن هذه القراءات كلها التي يقرأ بها الناس اليوم ، وصحت روايتها عن الأئمة إنما هي جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ، ووافق اللفظ بها خط المصحف ، مصحف عثمان الذي أجمع الصحابة ومن بعدهم عليه ، واطّرح ما سواه مما يخالف خطه . . . وجمع المسلمين عليها ، ومنع من القراءة بما خالف خطها ، وساعده في ذلك زهاء - أي قدر - اثني عشر ألفا من الصحابة والتابعين ، واتبعه على ذلك جماعة من المسلمين بعده ، وصارت القراءة عند جميع العلماء بما يخالفه بدعة وخطأ وإن صحت ورويت » « 1 » . وقال الإمام البغوي : « المصحف الذي استقر عليه الأمر هو آخر العرضات على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فأمر عثمان بنسخه في المصاحف وجمع الناس عليه وأذهب ما سوى ذلك قطعا لمادة الخلاف ، فصار ما يخالف خط المصحف في حكم المنسوخ والمرفوع كسائر ما نسخ ورفع ، فليس لأحد أن يعول في اللفظ على ما هو خارج عن الرسم » « 2 » . وقال أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي ( ت 440 ) : « أصح ما عليه الحذاق من أهل النظر في معنى ذلك أن ما نحن عليه في وقتنا هذا من هذه القراءات هو بعض الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن » . وقال أبو شامة : « إن هذه القراءات التي نقرؤها هي بعض من الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن ، استعملت لموافقتها المصحف الذي اجتمعت عليه الأمة ، وترك ما سواها من الحروف السبعة لمخالفته لمرسوم خط المصحف ؛ إذ ليس بواجب علينا القراءة بجميع الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن ، وإذ قد أباح النبي صلّى اللّه عليه وسلم لنا القراءة ببعضها دون بعض ، لقوله تعالى : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ [ المزمل : 20 ] ، فصارت هذه القراءة المستعملة في وقتنا هذا هي التي تيسرت لنا بسبب ما رواه سلف الأمة رضوان اللّه عليهم من جمع الناس على هذا المصحف ، لقطع ما وقع بين الناس من الاختلاف ، وتكفير بعضهم لبعض » « 3 » .
--> ( 1 ) الإبانة عن معاني القراءات ، تحقيق : د . عبد الفتاح شلبي ، ص 33 - 35 . ( 2 ) ابن حجر العسقلاني ، فتح الباري بشرح صحيح البخاري ( 9 : 30 ) . ( 3 ) أبو شامة ، المرشد الوجيز ، ص 141 - 142 ، وانظر : خالد السبت ، مناهل العرفان ، الزرقاني ، دراسة وتقويم ( 1 : 372 ) .