مجموعة مؤلفين

34

مقدمات في علم القراءات

ولما اتسعت الفتوحات الإسلامية وتفرق القراء في الأمصار ، أخذ كل صحابي يقرئ أهل البلدة التي ينزل فيها ما تعلمه من النبي صلّى اللّه عليه وسلم على وفق الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ، ولكن دخول الأعاجم في الإسلام وسماعهم للقرآن على هذا النحو أدى إلى دخول الشك في نفوس الناشئة الذين لم يدركوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . واشتد الأمر حينما كان غزو « أرمينية » ، وغزو « أذربيجان » من أهل العراق ، وكان فيمن غزاها حذيفة بن اليمان رضي اللّه عنه ، فرأى اختلافا كثيرا في وجوه القراءة ، وكان بعض ذلك خارجا عن سنن القراءة الصحيحة المتلقاة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم وبلغ الأمر بهم إلى تكفير بعضهم بعضا ، ففزع حذيفة إلى عثمان بن عفان رضي اللّه عنه يخبره بالأمر ، فاستشار عثمان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في جمع القرآن على وفق العرضة الأخيرة ؛ درءا للفتنة ، وأن ينسخوه من الصحف التي كانت عند أبي بكر رضي اللّه عنه في جمعه الأول للقرآن الكريم فوافقوه على ذلك . وفعلا قام عثمان رضي اللّه عنه بجمع الناس على الأحرف الثابتة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم في العرضة الأخيرة برسم واحد في غالبه على حرف ولغة قريش ، يحتمل الأوجه المختلفة ، واطرح ما سواها ، لكونه نسخ في العرضة الأخيرة ؛ أو لكونه يعدّ تفسيرا وشرحا للآيات الكريمة من قبل الصحابة الكرام ، وقد شارك في جمع القرآن زيد بن ثابت ، وعبد اللّه بن الزبير ، وسعيد بن العاص بن أمية ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي رضي اللّه عنهم « 1 » . قال الحافظ ابن الجزري : « والحق ما تحرر من كلام الإمام محمد بن جرير الطبري وأبي عمر بن عبد البر وأبي العباس المهدوي ومكي بن أبي طالب القيسي وأبي القاسم الشاطبي ، وابن تيمية وغيرهم ، وذلك أن المصاحف التي كتبت في زمن أبي بكر رضي اللّه عنه كانت محتوية على جميع الأحرف السبعة ، فلما كثر الاختلاف ، وكاد المسلمون أن يكفر بعضهم بعضا أجمع الصحابة على كتابة القرآن العظيم على العرضة الأخيرة التي قرأها النبي صلّى اللّه عليه وسلم على جبريل عام قبض ، فكتبوا المصاحف على لفظ لغة قريش والعرضة الأخيرة ، وما صح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم وجردوا المصاحف عن

--> ( 1 ) أبو شامة ، المرشد الوجيز ، ص 64 وما بعدها ، ود . غانم قدوري ، رسم المصحف ، ص 107 وما بعدها .