إبراهيم محمد الجرمي
288
معجم علوم القرآن
فكان المذهبان البصري والكوفي اللذان عنيا بجمع كلام العرب عن العرب أنفسهم ، فسمعوا اللغات وعللوها وقاسوا عليها . وهم وإن اختلفوا في طرائق التأصيل والتقعيد إلا أنهم متفقون في الضوابط والأطر العامة ، فامتاز البصريون بالرواية عن الفصحاء الخلّص الذين سلمت لغاتهم من شوائب اللحن ، فرووا عن قيس وتميم وأسد وغيرها . أما الكوفيون فقد توسعوا في الرواية عن القبائل العربية كلها ، كما توسعوا في القياس والتعليل . ولقد كان القرآن بقراءاته ورواياته مددا فياضا لا ينضب لقواعدهم ردحا من الزمن حتى طعن بصريّو القرن الثالث في بعض القراءات التي خالفت ما قررته مذاهبهم فردّوها وحكموا بشذوذها . فكان أن ظهر علماء محققون نعوا على أولئك فعلتهم ونادوا أن اجعلوا القرآن الأساس المكين لقواعد النحو ، لأن القرآن فوق النحو والفقه والأصول ، بل هو مستند العلوم الإسلامية قاطبة ، وهو أساس علومهم . من أبرز هؤلاء العلماء : الفرّاء وأبو عمرو الداني وابن خالويه وابن حزم والرازي وأبو حيان وابن تيمية وابن الجزري وغيرهم كثير . وقد عجب هؤلاء العلماء ممن طعن في القراءات كيف أنه إذا وجد قولا قالته العرب أو سمع بيتا لامرؤ القيس أو للحطيئة أو غيرهم ، بل إذا سمعوا بيتا لشاعر مجهول طاروا به فرحا واستدلوا به ، أما القراءات المأخوذة بالتلقي والمشافهة والتي اعتنت الأمة بنقلها وروايتها فحكموا بشذوذها وضعفها من غير تثبت ولا موضوعية ، بل إن قواعدهم التي حاكموا القرآن إليها لطالما تنازع فيها البصريون والكوفيون والبغداديون ، فكم حكم ثبت بنقل الكوفيين لم ينقله البصريون والعكس كذلك ، وإذا كانوا مختلفين في قواعدهم ومآخذها فكيف تجعل هذه حكما على كلام الحق ، منزل اللغات ومعلم الإنسان ، ومن حفظ كلامه من التحريف والتزييف . ولذلك نشأ النحو القرآن جاعلا من القراءة الثابتة أساسا للقاعدة النحوية التي تتسع لتشمل كل ما ثبتت قرآنيته . وبذلك يكون القرآن الكريم حافظا للغة العرب من الاندثار ، وحاميا للهجاتها من الزوال ، وذلك من خلال اشتماله على كثير من لهجات العرب وطرائق أدائهم التي رويت متواترة ، مشافها بها بنقل العدول الضابطين .