محمد سالم محيسن
146
معجم حفاظ القرآن عبر التاريخ
يلي : منها أنه كان « ورعا » كما كان والده أيضا ورعا تقيا . وليس معنى هذا أنه ورث هذه الصفة عن والده ، بل معناه أنه تأثر بأبيه ومحاكاته له . ومن مظاهر ورعه أنه كان مع اشتغاله بالتأليف والتدريس يحرص على قراءة قدر من القرآن الكريم ، اعتاد أن يقرأه ، وكانت قراءته للقرآن تجمع بين الترتيل الجيّد الممثل للمعاني ، وبين الخشوع المصور للجلال ، حتى لقد كان بعض سامعيه يقول إنه لم يكن يظن أن إنسانا يحسن أن يقرأ هذه القراءة . ووصفه « عبد العزيز بن محمد الطبري » بأنه كان مجوّدا في القراءة ، موصوفا بذلك ، يقصده القراء ليصلوا خلفه ، ويسمعوا قراءته وتجويده « 1 » . قال « أبو علي الطوماري » : كنت أحمل القنديل في شهر رمضان بين يدي « أبي بكر بن مجاهد » لصلاة التراويح ، فخرج ليلة من ليالي العشر الأواخر من داره ، ومررنا على مسجده فاجتازه ولم يدخله ، وسار حتى وقف على باب مسجد « الطبري » وكان « الطبري » يقرأ سورة « الرحمن » فاستمع لقراءته طويلا ثم انصرف . فقلت له : يا أستاذ تركت الناس ينتظرونك ، وجئت تسمع قراءة « الطبري » ؟ فقال : « يا أبا علي ، دع عنك ، ما ظننت أن اللّه خلق بشرا يحسن أن يقرأ هذه القراءة » « 2 » . ومن الصفات التي اتصف بها : « إباؤه » وعزّة نفسه ، فلم يستهن بكرامة نفسه مرة ، وقد لزمته هذه الصفة طيلة حياته ، حتى كان يرفض الهدايا والمنح ، لأنه جرى على ألا يقبل هدية لا يستطيع أن يكافئ بمثلها ، فإن كانت فوق طاقته ردّها ، واعتذر إلى مهديها . وكثيرا ما رفض هدايا الوزراء ، والكبراء على تشوقهم إلى أن يقبلها .
--> ( 1 ) انظر طبقات الشافعية ج 2 ص 137 . ( 2 ) انظر طبقات المفسرين ص 31 .