أحمد عمر أبو شوفة

204

المعجزة القرآنية حقايق علمية قاطعة

ز - العنصر الثالث : إن الأودية تختلف سعة وضيقا ، فأعظمها شأنا أكثرها ماء . وأبعدها عمقا واتساعا ، وأصلحها لإمداد الأرض بالماء . وثمرة ذلك كثرة الثمار والأشجار على جانبيه وامتداد الحقول والبساتين من حوله . وكذلك الناس تتفاوت قلوبهم في تقبل أمر اللّه ، فمنهم من يمتلئ ويتقبل الكثير ، ومنهم من يقبل دون ذلك أو لا يتسع لما يتسع له الأول . وعلى هذا تتفاوت أقدار الناس . فأعلاهم قدرا أكثرهم إحاطة ووعيا لما أنزله اللّه ، وأعظمهم إفاضة على العباد ونفعا لهم . وثمرة ذلك أن تينع شجرة التقوى في القلب وتستفيض دائرة الهدى والخير من حوله وتهوى أفئدة الناس إلى منهاجه والاقتداء به . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يفرح بكثرة أتباعه ويفخر بهم ويحث على أن يتكاثروا ، هذا ولكل واد طاقة يتقبل الماء بقدرها فإذا أمد بما فوق طاقته كان طغيانا وفيضانا وتخريبا وتدميرا وإتلافا . كذلك لكل نفس طاقة تقف عندها في تقبل هدى اللّه وعلمه فإذا أراد المرء أن يحمل فوق طاقته تمزق بالسأم والصد عن اللّه . « إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى » . فقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أزاغها وإن شاء أقامها ، مثل ذلك في قوله تعالى : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ القصص : 56 ] ، والوادي قبل أن يأتيه السيل يكون جافا ممتلئا بالقش وغير ذلك ، فإذا أتاه السيل أخذ ذلك وأصبح الوادي طريا وطفا القش والأوراق على سطح الماء . وكذلك هدى اللّه إذا جرى في قلوب العباد طهرها وأزال ما فيها من أكدار الطبائع ودنسها فلا يبقى شيء منها في القلوب ، بل تطفو متخذة سبيلها إلى الزوال السريع .