السيد كمال الحيدري
380
المعاد روية قرآنية
وبهذا أصبح العمل أثراً من آثار النفس ، وصفةً من صفاتها ، وإذا ثبت أنّ النفس مجرّدة كما ثبت في محلّه وباقية ، فآثارها وصفاتها تبقى معها ، وما دامت النفس موجودة ، وهذه الصفة موجودة ، فالأثر يبقى موجوداً أيضاً ، كما لو أنفق الإنسان على فقير ومحتاج ، فإنّه بتكرّر الإنفاق يكون الجود عنده ملكة ، فحينئذ لا يتثاقل في الإنفاق ، بل يصل إلى مرحلة يتلذّذ معها بالإنفاق والجود ، وما دامت هذه الملكة موجودة بأثرها سيكون هذا العطاء مستمرّاً . وهذا هو الأصل الأوّل ، والأصل الثاني أشرنا إليه في الأبحاث المتقدِّمة ، حاصله : إنّ الجزاء أو العقوبة أو الثواب هو باطن العمل ، وليس الجزاء شيئاً يترتّب على العمل ، فهو باطن العمل بصريح قوله تعالى : يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ( الطارق : 9 ) ، فما كان باطناً في الدُّنيا يكون ظاهراً في الآخرة ، وما كان غيباً في عالم الدُّنيا يكون شهادةً في الآخرة . وكلّ الأعمال تظهر بحقيقتها في يوم القيامة ، وحيث إنّ النفس دائميّة فصفاتها تكون دائميّة قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ ( الإسراء : 84 ) فالأعمال الصالحة تظهر على حقيقتها ، وهكذا الخبيثة . يقول تعالى : وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ( الأنعام : 28 ) باعتبار أنّ العمل أصبح ملكة ثابتة في وجودهم ، وهم يرون الحقائق يوم القيامة قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّى أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ( المؤمنون : 100 99 ) ولكنّه لو رجع فإنّه لن يعمل صالحاً . وقال تعالى : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ * انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ( الأنعام : 24 23 ) فهؤلاء يقسمون بأنّهم ما كانوا مشركين ، فملكة الكذب إذ استقرّت في نفوسهم ، أضحت جزءاً من وجودهم حتّى يوم القيامة يوم تُبلى السرائر ، فلم يستطيعوا التخلّص منها ، ولذا كان هذا الوصف القرآني لهم في الآية