السيد كمال الحيدري
348
المعاد روية قرآنية
إيثاق » « 1 » . ومن الذين استشرفوا ما تكنزه الآية من إيماءات دالّة على الإتقان الذي يضرب بشعابه في هذا الوجود الفسيح ، المفسِّر التونسي المعاصر الشيخ الطاهر بن عاشور ( ت : 1970 م ) ، إذ سجّل بدءاً أنّ للآية وضعاً دقيقاً ، ولها معنى بالتأمّل خليق ، لما تتضمّنه من دليل على دقيق صنع الله . فالسياق الذي تتحرّك به الآية « فيه استدعاء لأهل العلم والحكمة لتتوجّه أنظارهم إلى ما في هذا الكون من دقائق الحكمة وبديع الصنعة . وهذا من العلم الذي أُودع في القرآن ليكون معجزة من الجانب العلمي يدركها أهل العلم ، كما كان معجزة للبلغاء في جانبه النظمى » . وما دام « الصنع » يُطلق على العمل المتقن ، ففي الآية « تمجيد لهذا النظام العجيب ، إذ تتحرّك الأجسام العظيمة ( الجبال ) مسافات شاسعة والناس يحسبونها قارّة ثابتة وهى تتحرّك بهم ولا يشعرون » . على أنّ قوله سبحانه : الَّذِى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ يقصد التعميم ، ومن ثمّ فليس قوله : وَتَرَى الْجِبَالَ إلّا حالة دالّة على النظام المتقن الذي يجرى في الوجود تكويناً وخلقاً واستدامة نظام ، دون أن ينحصر بها ذلك . يختم ابن عاشور مع الآية الكريمة ، مشيراً إلى أنّ قوله سبحانه : إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ الذي جاء عقيب قوله : الَّذِى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ فيه تذكير وتحذير ، يوضحه بقوله : « لأنّ إتقان الصنع أثرٌ من آثار سعة العلم ، فالذي بعلمه أتقن كلّ شئ ، هو خبير بما يفعل الخلق ، فليحذروا أن يخالفوا عن أمره » « 2 » إذ لا يخفى ما في هذا الكلام من ربط بين العلم وإتقان الصنع ، وهو
--> ( 1 ) مجمع البيان ، مصدر سابق : ج 5 ص 257 . ( 2 ) التحرير والتنوير ، محمّد الطاهر بن عاشور : ج 19 ص 318 .