السيد كمال الحيدري
82
المعاد روية قرآنية
وبيان ذلك يتوقّف على توضيح مقدّمة ، أشرنا إليها سابقاً ، هي : أنّ الإنسان له بُعدان : الأوّل : مرتبط بالبدن والجسم الذي له آثار خاصّة ، وله مكان وحجم ونحو ذلك . الثاني : هو المرتبط ببُعد الروح ، والذي عبّر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِى فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ( الحجر : 29 ) ، وقوله : ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ ( المؤمنون : 14 ) . وهذا البُعد يعبّر عنه الإنسان ب « أنا » . فعندما يكون في سنّ الخمس سنوات يقول : عمرى أنا خمس سنوات ، وكذلك في عمر عشر سنوات يقول : أنا عمرى . . . ، وفى الثلاثين ، وفى الأربعين ، وإلى المائة وهكذا . . . وفى كلّ هذه الحالات يكون بدنه في حالة تبدّل وتغيّر بكلّ خلاياه ، ويبقى هذا الإنسان يقول : فعلت قبل أربعين سنة كذا ، وضربت كذا ، وأكلت كذا ، وسافرت كذا ، مع العلم واليقين أنّ هذا ليس إشارةً إلى البدن المتحوّل والمتغيّر مراراً . بل أكثر من ذلك في العلوم التشريحيّة نجد أنّ الإنسان تبدّل أعضاؤه كاليد ، والقلب ، والكبد . . . ومع ذلك فإنّه بعد عمليّة التبديل هذه يضع يده على قلبه ويقول قلبي ، رجلي ، يدي . . . مع أنّ هذا لم يكن قلبه ولا يده ولا رجله ، وهى أعضاء لجسد آخر . إذن الثابت في الإنسان هو هذا البعد الثاني ، ولذا نجد أنّ الإنسان لو هرب من العدالة لارتكابه جريمة ما ، واعتُقِل بعد خمسين سنة من الجريمة فإنّه يُعاقب مع أنّ البدن غير البدن ، وذلك لأنّ البُعد الثاني ما زال ثابتاً وموجوداً في وجود هذا الإنسان .