السيد كمال الحيدري

62

المعاد روية قرآنية

وفى كلمات الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنّ الشبهة إنّما سمّيت شبهة لأنّها تُشبه الحقّ ، « 1 » وليست هي الحقّ ، بل هي باطل ولكن ظاهرها يشبه الحقّ ، وبتعبير القرآن الكريم : زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ( الأنفال : 48 ) . فالتزيين من عمل إبليس ، وهو يزيّن للإنسان الباطل ويلبسه بلباس الحقّ ، فيتصوّر الإنسان أنّه على حقّ ، وهو في الواقع على باطل . والسبب في وجود هذا الاختلاط هو أنّ الله تعالى جعل هذه النشأة نشأة العمل ، لا نشأة الجزاء والحساب ، وإذا كانت نشأة العمل فلابدّ أن يختلط فيها الحقّ بالباطل من أجل أن يُمتحن الإنسان ويُبتلى ، وإلّا لو كان الحقّ واضحاً من غير اختلاط بالباطل ، وكان الباطل محضاً من غير التباس بالحقّ فلا معنى حينئذ للامتحان والابتلاء . إذن ، سنّة الابتلاء إنّما جاءت وقامت على أساس أنّ الحقّ هنا يلتبس بالباطل ، ونهاية الابتلاء تكون عندما يتميّز الحقّ من الباطل ، والطيّب من الخبيث ، وهذا الابتلاء هو من أسباب تكامل الإنسان الذي يوسوس له الشيطان ، فإمّا أن يستجيب له أو يرفضه . أين يلبّى الله تعالى الحاجة الفطريّة ؟ بعد أن ثبت لنا أنّ هناك أمراً فطريّاً في وجود الإنسان وهو طلب الحقيقة من غير التباس ومن غير اختلاط مع الباطل كما في هذه النشأة التي لا تتّضح فيها معالم الحقّ بشكل يتميّز فيه عن الباطل ، فإذن لابدّ من وجود نشأة أخرى ينتهى إليها الإنسان تتّضح فيها معالم الحقّ بأجلى صوره من دون أىّ لبَس أو شكّ أو اختلاط مع الباطل .

--> ( 1 ) نهج البلاغة ، مصدر سابق : الخطبة : 38 .