السيد كمال الحيدري

60

المعاد روية قرآنية

اختلاط الحقّ بالباطل إنّ الحقيقة موجودة في هذه النشأة الدُّنيا ، وقد جاء الأنبياء عليهم السلام لكي يبيِّنوها . جاءوا ليبيّنوا للإنسان الصراط المستقيم ، والحقائق التي توصله إلى كماله المطلوب الذي خُلِقَ من أجله . لقد عبّر القرآن الكريم عن وظيفة الأنبياء عليهم السلام بقوله تعالى : وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ( الحديد : 25 ) ، فالهدف الأساس الذي من أجله بُعث الأنبياء من أوّلهم إلى آخرهم هو العدل والقسط وبيان الحقّ والحقيقة . هذا مضافاً إلى أنّ العقل له القدرة على التشخيص أيضاً ، ففي الروايات أنّ الله سبحانه وتعالى جعل للإنسان حجّة ظاهرة متمثّلةً بالأنبياء والرُّسل ، وحجّة باطنة وهى العقل ، وهذه حقيقة لا ريب فيها . وإنّما الكلام هو في أنّ الحقّ والحقيقة في هذه النشأة الدُّنيا أخالصة هي ، أم مختلطة بالباطل ؟ القرآن الكريم أجاب عن ذلك بوضوح ، وأثبت وجود هذا الاختلاط والالتباس بين الحقّ والباطل في هذه الدُّنيا ؛ قال تعالى : أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ( الرعد : 17 ) . فالحقّ موجود ولكنّه في كثير من الأحيان يعلوه الزبد ، وهذا الزبد يذهب جفاء ، وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض . والوجدان أيضاً يثبت هذه الحقيقة . فالعدل موجود في الدُّنيا وإلى جانبه الظلم ، والإخلاص موجود وإلى جانبه الرِّياء ، والإيمان موجود وإلى جانبه الكفر والنفاق .