السيد كمال الحيدري
58
المعاد روية قرآنية
والنتيجة أنّ هذه العلوم التي نملكها عن الواقع الخارجي كلّها علوم حصوليّة ، لأنّنا نملك صورة عن الواقع لا نفس الواقع ، وحتّى في جانب الحقيقة نملك عنها صورة كالصورة التي تنعكس في المرآة ، كما لو افترضنا أنّنا نضع مقداراً من النار إزاء المرآة ، فهذه النار تنعكس في المرآة ولكنّها غيرها ؛ لأنّ النار حارّة ومحرقة والصورة الموجودة في المرآة ليست كذلك . وهذا هو الفارق بين العلم الحصولي والعلم الحضوري ، حيث إنّ الحضوري له أثره الخاصّ به ، أمّا الحصولي لا يترتّب عليه ذلك الأثر الموجود للواقع الخارجي . فالكلام عن الحقّ والحقيقة بلحاظ الصورة الذهنيّة إنما هو في دائرة العلم الحصولي ، وإلّا لو كان في دائرة العلم الحضوري لكان له حديث مختلف ، والناس في الأعمّ الأغلب يتعاملون على أساس هذه العلوم الحصوليّة لا على أساس العلوم الحضوريّة . وطلب الحقّ والحقيقة من الأمور الفطريّة التي لا يختلف عليها اثنان حيث يريد الإنسان التعرّف على الحقائق الموجودة خارج وجوده بسبب الفطرة التي خلقه الله عليها ، لأنّ أصل الأمور الفطريّة حبُّ الإنسان لكمال ذاته ، ولكلّ ما يرتبط بكماله ، فيكون طالباً له ، وكلّ ما يؤدّى إلى نقصه يكون منفّراً وغير ملائم له ويحاول الهروب منه . فالماء ملائم لذاته لذا يطلبه ، والنار غير ملائمة له فيهرب منها لأنّها تحرقه وتؤلمه . والطفل بمجرّد أن يضع يده على النار يجدها تحرق فيبتعد عنها ، ويسحب يده بشدّة منها ، فيشعر بأنّ هذا مؤلم وإن كان لا يستطيع أن يعبِّر عن هذه الحقيقة بقضيّة أو مفهوم ، ولكنّه أمرٌ فطرىّ ، فما يلتذّ به ويلائمه يطلبه ، وما يؤدّى إلى إيلامه وما لا يلائمه ينفر عنه ويهرَب منه .