السيد كمال الحيدري

38

المعاد روية قرآنية

فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِى الصُّدُورِ ( الحجّ : 46 ) . والمقصود بالعمى وفقاً لهذه الآية ليس هو العمى الظاهري بل عمى البصيرة . أمّا كيف نستفيد ترتّب هذا الأثر على إنكار المعاد من القرآن الكريم فهو أن نضمّ إلى هذه الآية قوله تعالى في سورة النمل : إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ( النمل : 4 ) ، ومعنى « يعمهون » : يعمون عن الرُّشد أو يتحيّرون ، فإذا صار الإنسان أعمى البصيرة في هذه النشأة فستكون عاقبته العمى في الآخرة أيضاً : وَمَنْ كَانَ فِى هذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِى الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ( الإسراء : 72 ) . وهذه الفئة هي المقصودة بقوله تعالى : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ( الأعراف : 179 ) . الأثر الرابع : إنّ إنكار المعاد إنكارٌ للربوبيّة ؛ قال تعالى : وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذَا كُنَّا تُرَاباً أَ إِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلَالُ فِى أَعْنَاقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( الرعد : 5 ) . فالقرآن الكريم هنا في معرض الردّ على ما كان يتفوّه به المشركون في الردّ على الدعوة والرسالة حيث أنكروا إمكانيّة بعث الإنسان بعد موته وصيرورته تراباً فقالوا : أَ إِذَا كُنَّا تُرَاباً أَ إِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ ، وأنّ الإنسان إذا مات صار تراباً بطلت الإنسانيّة فيه وانعدمت شخصيّته ، وأنّ الإنسان عبارة عن الصورة المادّية القائمة بهذا الهيكل البدني العائش بحياة مادّية من غير أن تكون له حياة أخرى خالدة بعد الموت يبقى فيها ببقاء الربّ تعالى ، وبعبارة أخرى تكون حياته محدودة بهذه الحياة الدُّنيا المادّية . ومن الواضح أنّ مثل هذا الاعتقاد هو في الحقيقة إنكارٌ لربوبيّة الحقّ