السيد كمال الحيدري

354

المعاد روية قرآنية

قَالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ( طه : 126 125 ) ، فلم يكن ( المجرم ) في هذه الدُّنيا أعمى بصر ، بل كان أعمى قلب وبصيرة فلم يدرك آيات الله تبارك وتعالى . ومن هنا نخلص إلى أنّ ظرف تحقّق الجزاء هو نفس ظرف تحقّق الفعل ؛ لأنّ الجزاء ما هو إلّا باطن العمل وليس أمراً آخر ، وأنّ الإنسان سوف ينال جزاءه من ثواب أو عقاب في هذه الدُّنيا ولن يؤجّل إلى الآخرة . حينئذ ، نتساءل : ما هي وظيفة الآخرة ، إذن ؟ والجواب : إنّ الآخرة ظرف ظهور الجزاء لا وجود الجزاء ، فما كان خافياً عليك ولم تستطع رؤيته هنا ، سوف تلتفت إليه وتراه يوم القيامة ؛ وذلك لأنّك بسبب معاصيك حُرمت من النظر إلى باطن العمل ، بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ( المطفّفين : 14 ) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ( التكاثر : 6 5 ) . وأمّا من كانت عنده تلك العين فهو يرى باطن الأعمال في الدُّنيا والآخرة وينظر إلى الناس فيقول : هذا في نار جهنّم وذاك في جنّة النعيم . وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة ، فهناك مَن هو في نار جهنّم وهو في الحياة الدُّنيا ، قال تعالى : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ( العنكبوت : 54 ) . فبقرينة « إنّ » و « اللّام الداخلة على الخبر » اللّتين تفيدان التوكيد ، نفهم أنّ القرآن الكريم يريد القول بأنّ نار جهنّم موجودة ومحيطة بالكافرين الآن ، لا أنّها سوف تحيط بهم ، وإلّا لقال : « إنّ جهنّم ستحيط بالكافرين » . ومثل ذاك قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً ( النساء : 10 ) أي : إنّهم يأكلون النار الآن ، لا أنّهم سيأكلونها فيما بعد ، وذلك بقرينة استخدام « إنّما » وعدم استخدام « السين »