السيد كمال الحيدري
346
المعاد روية قرآنية
ثانياً : هو أن نسأل بأنّ هذا الكتاب بأيّة لغة مكتوب مع اختلاف الناس في لغاتهم ، فهل هناك مترجمون للكتب ؟ مع الأخذ بعين الاعتبار وجود بعض الناس الأُميّين ، فكيف سيتسنّى لهم القراءة ؟ ! وبهذا يتبيّن أنّ القراءة الواردة في الآية المباركة اقْرَأْ كِتَابَكَ ليس المراد منها هذه القراءة المتعارفة ، ولا المراد منه هذا الكتاب الذي هو مجموعة أوراق . ثالثاً : أنّ الكتاب الذي يراه الإنسان مهما كانت حقيقته فيُقال له إقرأه ثمّ يُقال : كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً فحينئذ لا يحتاج إلى شهود ، ولا يُطالب بالشهود ، ولا يمكنه التشكيك به و . . . ، فكفى بالإنسان حسيباً لنفسه . فلو كان هذا الكتاب مجموعة ألفاظ مكتوبة فسيكون قابلًا للإنكار والتشكيك ، ولكن بما أنّه من سنخ مغاير لهذه الكتب الموجودة عندنا فلا يمكنه الإنكار ولا التشكيك . فلا يمكن إذن أن يُقال بأنّ هذا الكتاب هو من قبيل الكتب الموجودة عندنا ، أو أنّه مثل أفلام الفيديو ، لأمرين : أوّلهما : أنّه يكون بذلك قابلًا للإنكار . وثانيهما : أنّ كثيراً من الأعمال غير قابلة للتصوير بالفيديو كالأعمال الباطنيّة المرتبطة بالنوايا والاعتقادات . ومن الآيات الواردة في القرآن الكريم والتي تبيّن حقيقة هذا الكتاب وتؤيّد ما قلناه : قوله تعالى : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ( آلعمران : 30 ) . فليست الكتابة فقط موجودة أو أثر العمل ، بل نفس العمل موجود ، وما عمله الإنسان يكون محضراً .