السيد كمال الحيدري

32

المعاد روية قرآنية

كرامة الإنسان ، وما هي حقيقته ، وما هي غايته ، وما هو هدفه . والإيمان باليوم الآخر الذي هو مورد بحثنا هنا ، ليس هو مجرّد العلم فقط ، لأنّ العلم قد يوجد في داخل الإنسان ولكن مع ذلك لا يوجد الإيمان . ومن هنا يقول القرآن الكريم : وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ( النمل : 14 ) . وهذا تصريح منه بعدم الملازمة بين العلم والإيمان ، حتّى العلم بمرتبته اليقينيّة ، وأعلى مراتب العلم حتّى الجزم والقطع منه . فما لم يكن هناك إيمان مع العلم فلن يؤثّر . فالكثير من الناس يعلمون بالآثار السيّئة والمضارّ المترتّبة على السجائر مثلًا ومع ذلك نراهم يدخّنون ، وهذا معناه أنّ عندهم العلم ولكن هذا العلم لا يتجسّد في سلوكهم ولا في عملهم ، وبهذا يتّضح أنّ العلم غير الإيمان . والشخص حتّى لو اعتبر نفسه مؤمناً بالمعاد وبالثواب والعقاب ولكن سلوكه لم يكن منسجماً مع إيمانه ، فهذا الشخص يعلم بالمعاد ولكنّه لا يؤمن به . ودرجة الإيمان تظهر في السلوك والعمل . فالإيمان بالمعاد مثل الإيمان بالله تعالى ، له مراتب ودرجات . والشاهد على ذلك أنّ الإنسان لو قيل له إنّ هذا الإناء فيه سمٌّ ، فحتماً لن يشربه بأىّ شكل من الأشكال . أمّا لو قيل له بأنّ أكل مال اليتيم هو في حقيقته نار إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً ( النساء : 10 ) فلن يتأثّر وسيأكل أموال اليتامى مع ذلك . وهذا معناه أنّه على الرغم من علمه بأنّ أكل مال اليتيم هو في حقيقته نار جهنّم ، أقدم على الفعل لأنّ ذلك كان منه على مستوى العلم فقط دون الإيمان .