السيد كمال الحيدري
311
المعاد روية قرآنية
وقال تعالى : قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِى أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ( طه : 126 125 ) . والآية لا تتحدّث عن عمى البصر ، وإلّا فما هو ذنب الإنسان الذي كان أعمى في هذه النشأة أن يُحشر أعمى يوم القيامة ؟ ! فهذا ليس من العدل ولا من الحكمة الإلهيّة ، فالمراد من العمى في الآية هو عمى البصيرة وليس عمى البصر : فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِى الصُّدُورِ ( الحج : 46 ) . وهذا يكشف لنا أنّه عندما ينسب القرآن الكريم العمى إلى القلب فإنّه يريد أن يبيّن أنّ القلب له بصر ، وإلّا لو لم يكن للقلب بصر فلا معنى لأن ينسب إليه العمى ، وكما أنّ هناك بصراً ظاهريّاً كذلك توجد بصيرة باطنيّة ، وكما لدينا بصر نرى به أمور الدُّنيا كذلك هناك بصيرة نستطيع أن نرى بها ملكوت السماوات والأرض : وَكَذلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ( الأنعام : 75 ) . والعجب أنّ القرآن إذ ينسب إليهم العمى في الآخرة ، ينسب إليهم البصر أيضاً في الآخرة : رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ( السجدة : 12 ) ، فكيف يكون الأعمى بصيراً ؟ هذا من خواصّ تلك النشأة الآخرة ، فالإنسان إذا كان بصيراً في الدُّنيا فهو بصير بالكامل في الآخرة ، وإذا كان أعمى البصيرة في الدُّنيا فهو أعمى بالكامل في الآخرة ، أمّا أن يرى بعض الأشياء ولا يرى بعضها الآخر فهذا غير ممكن في الدُّنيا . ولكن في الآخرة هذه الحقيقة موجودة إذ إنّ الكافر أو الفاسق أو الفاجر والذي خرج من الدُّنيا معانداً فإنّه يوم القيامة لا يُبصر الطريق الذي يوصله إلى الجنّة ولكنّه يُبصر الطريق الذي يوصله إلى النار ودركات الجحيم .