السيد كمال الحيدري

278

المعاد روية قرآنية

وهكذا الحال في رفع المرض حيث لابدّ من وجود الطبيب والدواء ، وأيضاً في العلم الذي لابدّ فيه من الجهد والعمل والتحصيل . أمّا في عالم الآخرة فإنّ النظام فيه لا يقوم على هذه المقاييس والأسباب الموجودة في عالم الدُّنيا ، بل هو قائم على إرادة الإنسان ، وبتعبير صريح وواضح فإنّ كلّ شئ هناك يتحقّق بنظام « كُن فيكون » ، وليس هو عالم السببيّة والمسبّبيّة ، ولذا يقول القرآن الكريم : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ( البقرة : 166 ) . ولعلّه ومن هذا المنطلق سمّى صدر المتألّهين عالم الدُّنيا بعالم الخلق ، وعالم الآخرة بعالم الأمر ، وحصَر العوالم بهذين العالمين : « العوالم مع كثرتها منحصرة في قسمين : عالم الأمر وعالم الخلق ، فعبّر عن عالم الدُّنيا وهو ما يدرك بهذه الحواس الظاهرة الخمس بالخلق ، لقبوله المساحة والتقدير ، وعبّر عن عالم الآخرة وهو ما يُدرك بالحواسّ الخمس الباطنة وهى النفس والقلب والعقل والروح والسرّ بالأمر ؛ لأنّه وجد بأمر « كُن » دفعة بلا واسطة شئ آخر ، إذ وجوده غير متعلّق بالحركات والاستعدادات ، فيوجد بمجرّد الجهات الفاعليّة لا بالجهات القابليّة الانفعاليّة ، فكلّ ما يقع في تصوّر الفاعل أو يخطر بباله يوجد دفعة من غير استعمال آلة أو تهيّؤ قابل ، فعالم الأمر هو الأوليات العظائم التي أوجدها الله تعالى للبقاء ، كالعقل والروح والقلم واللوح والعرش والجنّة ، وآخرها الكرسي ، ولهذا قيل : فرش الجنّة الكرسي وسقفها عرش الرحمن » « 1 » . ففي عالم الدُّنيا إذا أردت شرب الماء فإنّ ذلك يحتاج إلى مقدّمات مثل أن تمدّ يدك إلى الإناء ثمّ ترفعه وتشرب ، أمّا في النشأة الآخرة فإنّك تستطيع

--> ( 1 ) أسرار الآيات ، صدر المتألّهين ، مصدر سابق : ص 104 .