السيد كمال الحيدري
276
المعاد روية قرآنية
النظام الحاكم هناك يختلف عما هو هاهنا ، وإلا فلا يبقى فرق بين النشأتين . على هذا فالزمان والمكان بالنحو الذي نشاهده في عالمنا من أحكام هذه النشأة ؛ لذا يقع التصادم والتزاحم بين الأشياء ، وليس الأمر كذلك بالنسبة للنشأة الآخرة . ألا ترى أنّ الإنسان النائم مثلًا بالقرب من آخر ، فإنّه يرى روضة من رياض الجنّة ، من دون أن يزاحم ما يراه صاحبه الذي ينام بجنبه وهو في حفرة من حفر النيران . لذا قال صدر المتألهين : « إنّ حجّتكم هذه مبنيّة على أنّ للجنة والنار مكاناً من جنس أمكنة هذه الدنيا ، لكن أصل إثبات المكان على هذا الوجه للجنة والنار باطل » . « 1 » من هذه المقدّمة ندخل إلى البحث في بيان خصائص النشأة الأخرويّه وبم تمتاز عن النشأة الدنيويّة ، وهى : الخصوصيّة الأولى : هي أنّ الدُّنيا نشأة العمل ، بينما الآخرة نشأة الجزاء ، كما ورد في بعض كلمات أمير المؤمنين عليه السلام : « اليوم عمل ولا حساب ، وغداً حساب ولا عمل » ، والحساب يُراد به في كلمات الإمام علىّ عليه السلام هو الجزاء الأخروى ، ولو فُرض وجود عقاب أو حساب أو جزاء في الدُّنيا أو ثواب فيكون ذلك مرتبطاً بالجزاء أو الثواب والعقاب الدنيوي . ويمكن تقريب الفكرة إلى الأذهان بمثال الزرع ونتيجته ، وهو ما ورد في كلمات رسول الله صلى الله عليه وآله : « الدُّنيا مزرعة الآخرة » « 2 » فالإنسان يمكن له أن يزرع ما يُريد ، ولكن حصاد الزرع ليس له في الدُّنيا بل في الآخرة ، حتّى ولو كان في بعض الأحيان هناك حصاد دنيوي : وَمَنْ أَعْرَضَ
--> ( 1 ) المصدر السابق : ج 9 ص 202 . ( 2 ) عوالي اللآلي ، مصدر سابق : ج 1 ص 267 .