السيد كمال الحيدري
273
المعاد روية قرآنية
خصائص النشأة الأخرويّة من الأبحاث المتقدِّمة يظهر لنا أنّ هناك اتّجاهين في فهم حقيقة النشأة الأخرى : الاتّجاه الأوّل : هو الذي يعتقد أنّ الآخرة دنيا ثانية ، وعلى هذا الأساس فالأحكام والقوانين التي تحكم النشأة الأخرويّة هي نفسها الأحكام والقوانين التي تحكم النشأة الدنيويّة ، فالجوهر والحقيقة في الحياتين واحد إلّا في بعض الأمور الثانويّة . الاتّجاه الثاني : وهو الذي تبنّاه جملة من الأعلام ومال إليه صدر المتألهين ومن تبعه ، والذي يرى أنّ الفوارق بين النشأتين هي فوارق حقيقيّة وجوهريّة بحسب ما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في العديد من آياته : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ( إبراهيم : 48 ) ووَ نُنْشِئَكُمْ فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ ( الواقعة : 61 ) ، فلو كانت النشأة الأخرويّه هي دنيا ثانية ، ودنيا مكرّرة مع بعض التغييرات لم يكن هناك معنى لقوله تعالى : وَنُنْشِئَكُمْ فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ بل ننشئكم في ما تعلمون . هذا فضلًا عن الأدلّة العقليّة التي تثبت ذلك . قال الطباطبائي في الميزان : « إنّ الآخرة بنعيمها وجحيمها وإن كانت مشابهة للدنيا ولذائذها وآلامها ، وكذلك الإنسان الحالّ فيها وإن كان هو الإنسان الذي في الدنيا بعينه على ما هو مقتضى ظواهر الكتاب والسنّة غير أنّ النظام الحاكم في الآخرة غير النظام الحاكم في الدنيا ، فإنّما الآخرة دار أبديّة وبقاء ، والدنيا دار زوال وفناء ، ولذلك كان الإنسان يأكل