السيد كمال الحيدري
156
المعاد روية قرآنية
يعود على الجسم الذي مرَّ بعدّة مراحل ثمّ تحوّل إلى نشأة أُخرى ، ولا يعنى ذلك أنّه أُضيفت إليه نشأة أُخرى . وبناءً على النظريّة الأولى والثانية فكلّ واحدة منهما ترى بأنّ الروح تنضمّ إلى البدن ، لا أنّ البدن يتحوّل إلى أمر مجرّد . وهناك فرق بين أن تُفاض الروح على البدن ، وبين أن تنضمّ الروح إلى البدن ! ومفاد الآية الكريمة أنّ الإنسان بدأ من مرحلة مادّية ، وهى التي تحوّلت إلى خلق آخر بحسب تعبير القرآن ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ . ولا يعنى ذلك أنّ الآية تقول بأنّ حقيقة الإنسان هي المادّة ، وإنّما هناك شئ وراء المادّة وهى الروح بحيث تتحوّل إليها المادّة . وهذا التحوّل ليس على نحو التجافي ، وإنّما على نحو التجلّى الصعودي ، لا التجلّى النزولي ، وبهذا يمكن أن نفهم علاقة هذا البحث وارتباطه بقضايا المعاد في القرآن ، إذ إنّ الكلام هنا هو في مسيرة الإنسان التي تبدأ من الطين فيكون هناك روح ، ثمّ تنتقل من نشأة إلى نشأة . . . إلى البرزخ ، ثمّ من البرزخ إلى الحشر الأكبر ، وهو الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى . يبقى أن نشير إلى أنّ تحوّل الأمر المادّى إلى الأمر المجرّد يجرى عن طريق أنّ النفس تبدأ جسمانيّة ومادّية ثمّ تتحوّل إلى حالة مجرّدة عن قوانين المادّة ، وقانون التحوّل هو المعروف عند صدر المتألّهين بنظريّة الحركة الجوهريّة . وبيان ذلك بالمثال : لو أخذنا قطعة من الفحم نرى أنّها سوداء ليس لها نور ولا ضياء ولا حرارة ، وهذه القطعة إذا وضعناها إلى جانب النار فإنّها بعد فترة تتحوّل إلى جمر أحمر ولا يبقى فيها أىّ شئ من السواد . فقطعة الفحم ضمن قوانين موجودة في عالم المادّة يمكنها أن تتحوّل إلى شئ آخر ، وتختلف أحكامها عمّا كانت عليه قبل ذلك ؛ لأنّها قبل وضعها