السيد كمال الحيدري

151

المعاد روية قرآنية

انحلال شخصيّته ، ومعه كيف يمكن إعادته ولو بجمع أجزاء بدنه المبعثرة في أصقاع العالم ، فإنّ اجتماع الأجزاء المتفرّقة لا يعيد شخصيّته الأولى ، بل يضفى عليه شخصيّة جديدة ، وهى ليست المسؤولة عن أعمال الإنسان الذي انحلّت شخصيّته . والجواب عن هذه الشبهة ورد في الآية التالية : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ( السجدة : 11 ) ، ومفاد الآية : أنّ واقع الإنسان ليس هو البدن المتفرّقة أجزاؤه ، بل واقعه أمرٌ محفوظ ، وهو الذي يأخذه ملك الموت ويرجعه إلى ربّه ، وهو شئ لا يمسّه الانحلال ولا التغيّر ولا التبدّل ، فما يتبدّل أو يتغيّر ليس هو واقع الإنسان ، وما هو واقع الإنسان فهو في معزل عن التفرّق والانحلال ؛ يقول تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ( الزمر : 42 ) ، أي أنّ الله يأخذ الأنفس حين موتها ، وفيما نحن فيه من الآية ينسب التوفّى وأخذ الروح إلى ملك الموت ويرجعه إلى ربّه ، ولا تنافى بين النسبتين كما مرّ في الأبحاث السابقة والآية بصراحتها تكشف عن أنّ موت البدن ليس موت الإنسان ، بل الإنسان باقٍ بعد الموت يتوفّاه ملك الموت ويحتفظ به إلى قيام الساعة . وبهذا يتبيّن أنّ الرؤية الإسلاميّة حيال خلقة الإنسان هو أنّه كائن علوىّ روحىّ باقٍ بعد الموت عبر القرون إلى يوم القيامة ، وأنّ الحياة لا تنقطع بالموت ، وإنّما تمتدّ بنشأة أخرى وهى الحياة البرزخيّة ، ثمّ الحياة الأخرويّة ، فكما أنّ هناك عوامل تسعد الإنسان أو تشقيه في الدُّنيا ، فكذلك الحال في الآخرة « 1 » .

--> ( 1 ) راجع : رسالة في التحسين والتقبيح ، الشيخ جعفر السبحاني ، مؤسّسة الإمام الصادق عليه السلام ، قم ، ط 1 ، 1420 ه : ص 151 .