السيد كمال الحيدري

117

المعاد روية قرآنية

سكرة الموت قال الله تعالى : وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ( ق : 19 ) . ذكر أرباب التفسير أنّ الحيد هو العدول والميل على سبيل الهرب ، والمراد بسكرة الموت ما يعرض الإنسان حال النزع إذ يشتغل بنفسه وينقطع عن الناس كالسكران الذي لا يدرى ما يقول ولا ما يُقال له . وفى تقييد مجىء سكرة الموت بالحقّ إشارة إلى أنّ الموت داخل في القضاء الإلهى ، مراد في نفسه في نظام الكون كما يستفاد من قوله تعالى : كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ( الأنبياء : 35 ) . وقال الطبرسي : إنّ المراد من قوله تعالى : وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ شدّته الذاهبة بالعقل ، والباء في ( بالحقّ ) للتعدية ، أي : وأحضرت شدّة الموت حقيقة الأمر من السعادة أو الشقاوة « 1 » . وفى مجمع البيان : « أي جاءت غبرة الموت وشدّته التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله بالحقّ أي أمر الآخرة حتّى عرفه صاحبه ، واضطرّ إليه » « 2 » . وفى تعبير الكثيرين أنّ سكرة الموت هي حال تشبه حالة الثمل السكران إذ تظهر على الإنسان بصورة الاضطراب والانقلاب والتبدّل ، وربّما استولت هذه الحالة على عقل الإنسان وسلبت شعوره واختياره . وكيف لا تكون كذلك ، مع أنّ الموت مرحلة انتقاليّة مهمّة ينبغي أن يقطع الإنسان فيها جميع علائقه بالدُّنيا التي تعلّق بها خلال سنين طويلة ، وأن يخطو في عالم جديد عليه ملىء بالأسرار ، خاصّةً أنّ الإنسان لحظة

--> ( 1 ) تفسير جوامع الجامع ، الطبرسي ، مؤسّسة النشر الإسلامي ، قم ، ط 1 ، 1421 : ج 3 ص 416 . ( 2 ) مجمع البيان ، أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي ، دار المعرفة ، بيروت : ج 9 ص 240 .