السيد كمال الحيدري

101

المعاد روية قرآنية

وثبوت هذا الضرب من القضاء وعدم تغيّره لا يعنى أنّ الله سبحانه عاجز عن أن يبدّله ، كلّا إنّما اقتضت حكمته الأزليّة أن تكون هذه سنّته وهذا قضاؤه . والأمثلة على ذلك كثيرة ؛ منها : أنّ الله تعالى قضى أن يخلق الخلق ، وأن يكون الإنسان مختاراً في فعله فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ( الكهف : 29 ) ، وأن يُدخل الجنّة من آمن وعمل صالحاً ويُدخل النار مَن كفر واجترح السيّئات ، وأنّ الإنسان ينتقل من هذه النشأة إلى نشأة أخرى كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ( العنكبوت : 57 ) ، وأنّ مَن دخل الجنّة فإنّه لا يخرج منها ، ومن القضاء الإلهى المحتوم أنّ الله كتب على نفسه الرحمة ، وكتب على نفسه أن يكون عادلًا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ( فصّلت : 46 ) . هذه الأقضية وأقضية كثيرة أخرى ، تحكى تقديراً إلهيّاً محتوماً لا يُردّ ولا يتبدّل ، ولا يطاله التغيّر بالصدقة والدعاء والاستغفار ، وهو ما يعبّر عنه القرآن بالسنن الإلهيّة وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا ( الإسراء : 77 ) . بالقضاء غير المحتوم : في مقابل القضاء الأوّل هناك قضاء ثانٍ وتقدير إلهىّ آخر علّقه على شئ . على سبيل المثال قضى الله سبحانه بحقّ إنسان معيّن أن يموت في سنّ الثلاثين ، بيدَ أنّه علّق موته على عدم دفع الصدقة ، وعدم صلة الرحم ، وعلى عدم دعاء والديه له أو دعاء الناس له لو قضى حاجاتهم ، هذا هو القضاء الإلهى المُعلّق على شرط ، فإن تحقّق الشرط لا يموت الشخص آنذاك . مثال آخر هو دور المرض ، فإنّ الله سبحانه إذا قضى على إنسان أن يموت إذا مرض بمرض معيّن في إطار النظام الوجودي ، لكنه إذا عولج ، فإنّ هذا العلاج يكون رافعاً للمرض ، كما أنّ الدّعاء والصدقة ونحوهما مؤثّرة في تغيير هذا القضاء .