عبد الجواد خلف
109
مدخل إلى التفسير وعلوم القرآن
وإلا فما كان خلافهم ذا شأن كبير كما صار الحال عليه فيمن بعدهم ، كما لم يكن خلافهم في التفسير « كتفسير » وإنما كان خلافهم على حسب اختلاف رؤاهم في مستجدات الوقائع التي لم تسبق من قبل في عصر الصحابة ، مع اختلاف البيئات التي انتقلوا إليها ووجدوا أنفسهم بإزائها ، مما لم يألفوه في جزيرة العرب - من عادات وتقاليد وطبائع كان ينبغي عليهم مواجهتها لما طلبت آراؤهم فيها . في حين أن اختلاف الصحابة لم يكن يتعدى ما عند واحد منهم من أسباب النزول ، أو العلم بمفردات اللغة ما ليس عند الآخر ، أو علم أحدهم بقراءة لا يعرفها غيره . كما لم يتعد خلافهم غير اختلاف العبادات حول مسمى متحد ، أو أن يكون للفظ واحد عدة معان ، فيحمله أحدهم على معنى ، ويحمله الآخر على أحد المعاني الأخرى ، أو أن يكون تعبيرهم عن المعاني بألفاظ متقاربة ، وليست مترادفة - إلى غير ذلك من الأسباب التي تبدو اختلافا وهي ليست كذلك في حقيقة الأمر . . غير أن الباحثين وضعوا لنا ما يشبه التقنين في ما لو وقع خلاف صريح بين قولين من أقوال الصحابة يتعذر الجمع بينهما في مسائل التفسير بإحدى الوسيلتين الآتيتين : الأولى : إن تعارضت الأدلة تماما بحيث لا يمكن الجمع بينها فإن موقفنا من هذا التعارض أن نؤمن بمراد اللّه - عز وجل - ولا نلجأ إلى الميل لأحد القولين المتعارضين . وتصبح المسألة بالنسبة لنا بمنزلة المجمل قبل أن يفصل ، والمبهم قبل أن يبين ، والعام قبل أن يخصص ، والمتشابه قبل أن يفسر . الثانية : يقدم قول ابن عباس - إن كان له فيها قول - على آراء غيره ( وهذا رأى الزركشي ) لبشارة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم له .