عبد الجواد خلف
10
مدخل إلى التفسير وعلوم القرآن
ثم يتأمل الحياة فيمن يولد من حوله . . ويتفكر في الموت في من يذهب عنه ليدفن في باطن الأرض . . ما السّر وراء كل ذلك ؟ ! وها هي الآثار الأدبية للإنسان المصري القديم تحدثنا عن هذه التأملات الفكرية المتقدمة في تلك المنظومة الرائعة للوزير « حتب » الكاهن المصري الفرعونى ، والتي سجلها في « كتاب الموتى » حيث يقول : « إن الموتى الذين ذهبوا لم يعد واحد منهم من « الأبديّة » ليحدثنا بما جرى لهم حتى يسعد قلوبنا . . فدع عقلك ينسى هذا ، واتبع رغبات قلبك ما دمت حيّا ، وتمتّع بأطايب الحياة قبل أن يأتي « يوم الآخرة » . . فالمرء لا يأخذ متاعه ، والذاهب لا يعود » . ولا أحسب أن ذلك الإنسان القديم . . قدم التاريخ . . وهو يقدم لنا هذا الفكر المتواضع كان يدرك - وهو يفعل هذا - أنه إنما ينمّى غريزة كامنة في نفسه ، ألا وهي غريزة التدين ! فكما أن علماء الاجتماع توصلوا إلى أن الإنسان « مدنى بطبعه » فإن علماء الأديان يحق لهم أن يقولوا أيضا : « إن الإنسان متدين بطبعه » . . ! وغريزة التدين شأنها شأن سائر الغرائز التي أودعها الله في الإنسان كغريزة الجوع ، وغريزة العطش ، وغريزة التّمدن ، وغريزة حبّ التملك ، وغيرها من الغرائز التي تطالب الإنسان أن يسعى إلى إشباعها ، وسدّ مطالبها واحتياجاتها . فغريزة الجوع : تدفعه إلى العمل ، والسعي في الأرض للحصول على الرزق الذي يهيئ له الطعام ليسد به غائلة جوعه ، ويشبع به هذه الغريزة . وغريزة العطش : تدفعه إلى البحث عن الماء ، وتنمية موارده وتخزينه ، واستعماله عند الضرورة والحاجة . وغريزة التّمدّن : جعلته يشعر بالحاجة إلى أخيه من بنى الإنسان ، وأنه لا