الشيخ محمد علي التسخيري

89

محاضرات في علوم القرآن

فهذه قضايا وقعت في عصر الوحي وكانت داعية إلى نزول الوحي بشأنها ، فكانت لأجل ذلك من أسباب النزول . ويلاحظ - في ضوء ما قدّمناه من تعريف لأسباب النزول - أنّ أحداث الأمم الماضية التي يستعرضها القرآن الكريم ليست من أسباب النزول ، لأنّها قضايا تاريخيّة سابقة على عصر الوحي ، لا أمور وقعت في عصر الوحي واقتضت نزول القرآن بشأنها ، فلا يمكن أن نعتبر حياة يوسف وتآمر إخوته عليه ونجاته وتمكّنه منهم سببا لنزول سورة يوسف ، وهكذا سائر المقاطع القرآنية التي تتحدّث عن الأنبياء الماضين وأممهم ، فإنّها في الغالب تندرج في القسم الأوّل من القرآن الذي نزل بصورة ابتدائية ولم يرتبط بأسباب نزول معيّنة . الفائدة في معرفة السبب ولمعرفة أسباب النزول أثر كبير في فهم الآية والتعرّف على أسرار التعبير فيها ؛ لأنّ النص القرآني المرتبط بسبب معيّن للنزول تجيء صياغته وطريقة التعبير فيه وفقا لما يقتضيه ذلك السبب ، فما لم يعرف ويحدّد قد تبقى أسرار الصياغة والتعبير غامضة . ومثال ذلك قوله تعالى إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما « 1 » فإنّ الآية ركّزت على نفي الإثم والحرمة عن السعي بين الصفا والمروة دون أن تصرّح بوجوب ذلك ، فلما ذا اكتفت بنفي الحرمة دون أن تعلن وجوب السعي ؟ إنّ الجواب على هذا السؤال يمكن معرفته عن طريق ما ورد في سبب نزول

--> ( 1 ) البقرة : 158 .