الشيخ محمد علي التسخيري
85
محاضرات في علوم القرآن
القرآن يتعاقب ويتواتر عليه حتى مات وهو في الثالثة والستين من عمره الشريف . وقد امتاز القرآن عن الكتب السماويّة السابقة عليه بإنزاله تدريجا ، وكان لهذا التدرّج في إنزاله أثر كبير في تحقيق أهدافه وإنجاح الدعوة وبناء الامّة ، كما أنّه كان آية من آيات الإعجاز في القرآن الكريم ويتضح كل ذلك في النقاط التالية : 1 . مرّت على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله والدعوة حالات مختلفة جدّا خلال ثلاث وعشرين سنة تبعا لما مرّت به الدعوة من محن ومن شدائد وما أحرزته من انتصار وسجّلته من تقدّم ، وهي حالات يتفاعل معها الإنسان الاعتيادي وتنعكس على روحه وأقواله وأفعاله ويتأثّر بأسبابها وظروفها والعوامل المؤثرة فيها . ولكنّ القرآن الذي واكب تلك السنين بمختلف حالاتها في الضعف والقوّة ، في العسر واليسر ، في لحظات الهزيمة ولحظات الانتصار والتنزيل تدريجا خلال تلك الأعوام كان يسير دائما على خطّه الرفيع لم ينعكس عليه أيّ لون من ألوان الانفعال البشري الذي تثيره تلك الحالات . وهذا من مظاهر الإعجاز في القرآن التي تبرهن على تنزيله من لدن عليّ حكيم . ولم يكن القرآن ليحصل على هذا البرهان لولا إنزاله تدريجا في ظروف مختلفة وأحوال متعدّدة . 2 . إنّ القرآن بتنزيله تدريجا كان إمدادا معنويّا مستمرا للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله كما قال اللّه تعالى وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا « 1 » فإنّ الوحي إذا كان يتجدّد في كلّ حادثة كان أقوى للقلب وأشدّ عناية بالمرسل إليه ، ويستلزم ذلك نزول الملك إليه وتجدّد العهد به وتقوية أمله في النصر واستهانته بما يستجدّ ويتعاقب من محن ومشاكل . ولهذا نجد أنّ القرآن ينزل مسلّيا للنبيّ مرّة بعد مرّة مهوّنا عليه الشدائد ، كما وقع في محنة يأمره تارة
--> ( 1 ) الفرقان : 32 .