الشيخ محمد علي التسخيري

254

محاضرات في علوم القرآن

وهذا الربط بين المفهوم الإسلامي في القصّة والواقعة الخارجية المعاشة للمسلمين قد يؤدي إلى فهم خاطئ للمفهوم المراد إعطاؤه فيتم انحصاره في نطاق الواقعة المستحدثة التي عاشتها القصّة فتأتي القصّة الواحدة في القرآن الكريم مكررة من أجل تفادي هذا الحصر والتضييق في المفهوم وتأكيد اتساعه لكل الوقائع والأحداث . . . بالإضافة إلى فاعليّته كمنبّه للامّة على علاقة القضية الخارجية التي تواجهها بالمفهوم الإسلامي لتستمد منه روحه ومنهجه . ولعلّ هذا السبب هو ما يمكن أن نلاحظه في تكرار قصّة موسى والفرق بين روحها العامة في القصص المكّي والقصص المدنيّ . فإنّها تؤكّد في القصص المكّي منها على العلاقة العامّة بين موسى من جانب وفرعون وملائه من جانب آخر ، دون أن تذكر أوضاع بني إسرائيل تجاه موسى نفسه . إلّا في موردين يذكر فيهما انحراف بني إسرائيل عن العقيدة الإلهية بشكل عام . وهذا بخلاف الروح العامة لقصّة موسى في السور المدنيّة فإنّها تتحدّث عن علاقة موسى مع بني إسرائيل وتذكر أنّ لها ارتباطا بالمشاكل الاجتماعية وهذا قد يدلّنا على أنّ هذا التكرار للقصّة في السور المكّية يعنى نزول القصّة لمعالجة روحية في حوادث مختلفة كانت تواجه النبي والمسلمين ، ومن أهداف هذه المعالجة توسعة نطاق المفهوم العام الذي تعطيه قصّة موسى في العلاقة بين النبي والجبارين من قومه . وأنّ هذه العلاقة مع نهايتها لا تختلف فيها حادثة عن حادثة أو موقف عن موقف . ولعلّ إلى هذا التفسير تشير الآيات الكريمة التي جاءت في سورة الفرقان : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ