الشيخ محمد علي التسخيري

204

محاضرات في علوم القرآن

النبويّة يحاول أن يبرّئ موتى المسلمين - كما ترى - من التبعات الأخروية لأعمالهم ليبقوا أولياء على كل حال في نظر الناس . 3 . روى مسلم عن ابن عباس في رواية باذان : بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله خالد بن الوليد في سريّة إلى حيّ من أحياء العرب ، وكان معه عمّار بن ياسر ، فسار خالد حتّى إذا دنا من القوم عرّس لكي يصبحهم . فأتاهم النذير ، فهربوا عن رجل قد كان أسلم فأمر أهله أن يتأهبوا للمسير . ثم انطلق حتى أتى عسكر خالد ودخل على عمّار فقال يا أبا اليقظان ! إنّي منكم وإنّ قومي لمّا سمعوا بكم هربوا وأقمت لإسلامي أفنافعي ذلك ، أو أهرب كما هرب قومي ؟ فقال : أقم فإنّ ذلك نافعك وانصرف الرجل إلى أهله وأمرهم بالمقام ، وأصبح خالد فغار على القوم فلم يجد غير ذلك الرجل فأخذه وأخذ ماله . فأتاه عمّار فقال : أخل سبيل الرجل فإنّه مسلم ، وقد كنت آمنته فأمرته بالمقام . فقال خالد : أنت تجير علىّ وأنا الأمير ؟ ! فقال : نعم أنا أجير عليك وأنت الأمير . فكان في ذلك بينهما كلام . فانصرفوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله فأخبروه خبر الرجل فآمنه النبي صلّى اللّه عليه وآله وأجار أمان عمّار ونهاه أن يجير بعد ذلك على أمير بغير إذنه . قال : واستبّ عمّار وخالد بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فأغلظ عمّار لخالد . فغضب خالد وقال : يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : أتدع هذا العبد يشتمني فوالله لولا أنت ما شتمني . وكان عمّار مولى لهاشم بن المغيرة ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : يا خالد ! كفّ عن عمّار فإنّه من يسبّ عمّارا يسبّه اللّه ومن يبغض عمّارا يبغضه اللّه . فقام عمّار فتبعه خالد فأخذ بثوبه وسأله أن يرضى عنه فرضي عنه . فأنزل اللّه تعالى هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ « 1 » وأمر بطاعة اولي الأمر . « 2 »

--> ( 1 ) النساء : 59 . ( 2 ) انظر الواحدي ، أسباب النزول ، ص 118 .