الشيخ محمد علي التسخيري

145

محاضرات في علوم القرآن

وأعود من بعد هذا الاستطراد إلى صلب البحث حيث قلت : إنّ بعض المفسّرين يترك الباب مفتوحا لمعنى آخر محتمل في الآية ، والبعض الآخر يوصد الباب ويذكر للآية وجها لا يتعدّاه إلى غيره ، وذلك فيما اعتقد لأمرين : الأوّل غفلته من كون القرآن زاد الإنسانية ، فلكلّ جيل منه حظّ ولكلّ زمن نصيب . والثاني قصور العلم في وقته عن إلقاء الضوء على المفهوم القرآني ، ومثال ذلك : ما ذكره بعض المفسّرين عند قوله تعالى في الآية الثامنة والثلاثين من سورة الأنعام وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ « 1 » حيث قصر المماثلة على ما يأتي فقال : أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ طوائف مختلفة أمثالكم في الخلق والموت والحاجة إلينا في الرزق والتدبير في جميع أمورها والدلالة على كمال القدرة وبديع الصنعة في تسخيرها وتصريفها بقدرتنا « 2 » هذا كل ما ذكره في المماثلة . ويقول آخر عن هذه المماثلة ما يلي : أمم أمثالكم مكتوبة أرزاقها وآجالها وأعمالها ، كما كتبت أرزاقكم وآجالكم وأعمالكم . « 3 » وإذا كان الزمخشري يقتصر من المماثلة على كتابة الارزاق والآجال والأعمال فقد يعذر لخلوّ عصره عن كثير من المعارف التي جدّت في دنيا الحيوان بكل صنوفه ، ولكن مثل الشيخ حسنين لا يعذر لأنّه في عصر كثرت فيه هذه العلوم وفي بلد سبق البلدان العربية الإسلامية الأخرى إلى العلوم الحديثة ، ونراه مع ذلك يقصر

--> ( 1 ) الأنعام : 38 . ( 2 ) انظر صفوة البيان لمعاني القرآن للشيخ حسنين محمّد مخلوف ، ج 1 ، 222 ، ط مصر 1906 . ( 3 ) انظر الكشّاف للزمخشري ، ج 2 ، ص 21 ، تصحيح مصطفى حسين احمد .