الشيخ محمد علي التسخيري

138

محاضرات في علوم القرآن

وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ « 1 » فجعل رسالتهما شبيهة بالضوء الذي يصدر من ذات الجسم كما يقول حفني مع أنّ رسالتهما أو كتابهما ليس منهما بل من اللّه تعالى . فينبغي على قوله أن يرد الإشكال لمكان جهة الشبه بين المشبّه به والمشبّه ، وهي صدور الضوء من الذات . وبالعكس فقد رأينا القرآن يستعمل النور فيما يصدر عن الذات ، وكذلك قوله تعالى في الآية السابعة عشرة من سورة المائدة واصفا وحيه إلى أنبيائه قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ « 2 » ، والمراد به القرآن ، والآية صريحة في أنّه صادر من اللّه تعالى ، مع أنّ حفني افترض أنّ القرآن يستعمل لفظ النور فيما ينعكس لا فيما يصدر عن الذات . 2 . ومن ذلك ما فسّر به بعضهم قوله تعالى في سورة المرسلات وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً * فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً * وَالنَّاشِراتِ نَشْراً * فَالْفارِقاتِ فَرْقاً * فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً * عُذْراً أَوْ نُذْراً * إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ . « 3 » فقال : هذا وصف علميّ دقيق للطائرات الحربيّة الحديثة بمختلف حركاتها وبجميع أفعالها ، فهي تعصف بقنابلها كالحميم ، وتترك الناس كالعصف المأكول ، وفي أثناء قيامها بذلك تنشر المنشورات وتلقيها على الجنود وعلى غيرهم في ميادين الحرب وعلى الأهالي والسكّان والمدنيّين للإخبار بما تريده الدولة المحاربة ، وتمزّق بصولتها الجبّارة بين الكتائب والفصائل والتجمّعات مزقا ، حيث إنّه لا يستقرّ تحتها ولا يثبت أيّ جمع ، بل لمجرّد رؤيتها يتفرّق الناس ويختفون في الكهوف والملاجئ والمخابئ ، « فالملقيات ذكرا » يعني ما تذكره وما تقصد منشوراتها وما

--> ( 1 ) الأنبياء : 48 . ( 2 ) المائدة : 15 . ( 3 ) المرسلات : 1 - 7 .