الشيخ محمد علي التسخيري

126

محاضرات في علوم القرآن

وعطاء لكلّ فترة ومرونة تحفظ له جدّته وخلوده ولصوقه بحاجات المجتمع تلو المجتمع والجيل بعد الجيل ، حيث يأخذ منه كلّ جيل بقدر ما تنهض به وسائله وما تحمل من استعداد للتزوّد منه ، وهي خاصة موجودة في كثير من مضامين القرآن كما هو واضح من سماته ؛ ذلك لأنّ القرآن يضع المفاهيم الثابتة للثابت من الحقائق الكونية ، والمفاهيم المتطوّرة لغير الثابت مما يمكن أن يأخذ أطوارا وحالات مختلفة كما سنمرّ عليها . والمفسّر هنا ، وفي هذا القسم بالذات - أعني القسم المتطوّر - يقصر مداليل الآيات على معاني يقطع بأنّها هي المرادة لا غيرها ، وهو بذلك يوصد باب الفكر ويحكم على المنبع الثرّ بالانقطاع وعلى دفق الشعاع بالنضوب ، وبالتالي عدم استيعاب القرآن بالشرح ؛ لأنّه بصورة مباشرة أهمل وجوها أخرى محتملة وأبعدها عن مصدرها بدون مبرّر غير ضيّق الأفق . ب ) إغفال ما قد يتصوّره بعض المفسّرين بأنّه ليس محلّا للابتلاء ، أو أنّه من الأمور الثانوية ، أو أنّه ترف في أمثال هذه المواضيع ونافلة ، اللّهم إلّا الشروح اللفظيّة أو إشارة إلى المعنى بتركيز شديد جدّا ، وخذ لذلك مثلا الرفق ، أو الاقتصاد ، أو نظرية الحكم ، وغير ذلك من الأمور الهامّة بالفعل . ج ) إهمال كثير من مضامين القرآن بدعوى أنّها ممّا استأثر اللّه تعالى بعلمه ، فإذا قيل : إنّ وضعها في القرآن إذا ما هو مبرره ؟ تأتي أجوبة ليست بناهضة ، وقد تكون تلك الأمور من الأعمدة الفقرية في الكتاب العزيز . وستأتي الإشارة إلى ذلك إن شاء اللّه بقدر ما يتّسع له هذا البحث المختصر . « 1 »

--> ( 1 ) راجع في تقسيمات التفسير ومعانيه ما يلي : التفسير والمفسّرون للذهبي ، ج 1 ، ص 19 ، ط مصر 1961 ، وانظر تفسير البحر المحيط لأبي حيّان الأندلسي ، ج 1 ، ص 13 ، أوفست مصر 1329 ه و