ابراهيم بن محمد البيهقي

403

المحاسن والمساوئ

كسرى : انصرف فلست بصاحبي . فانصرف المرزبان إلى شيرويه فأخبره بمقالة كسرى . فوجّه رجلا آخر فلمّا دخل قال له مثل مقالته للأوّل ، فانصرف ولم يصنع شيئا واعتلّ على شيرويه بأنّه لم يطب نفسا بقتله . فالتفت شيرويه إلى فتى يسمّى هرمز بن مردانشاه وكان أبوه يقال له : فاذوسبان بابل « 1 » وخطرنية « 2 » ، وقد كان كسرى سأل المنجمين قبل ذلك بعامين عن ميتته فأخبروه أنّها على يدي رجل يكون عظيم بابل . فلمّا سمع ذلك وقعت تهمته على مردانشاه فكتب إليه يأمره بالقدوم عليه . فلمّا قدم تجنّى عليه ثمّ أمر بقطع يمينه ، فقطعت ، فتناولها بيده الأخرى ووضعها في حجره وجعل يبكي وينتحب . فسمع كسرى ذلك فرحمه ورقّ له فأرسل إليه أنّه قد ندم على ما كان منه وأمره أن يسأله حاجة تكون عوضا من ذهاب يده . فأرسل إليه مردانشاه أن وثّق لي بالأيمان المحرّجة ، ففعل كسرى ذلك وعاهده أن يجيبه إلى جميع ما سأل . فأرسل إليه أن حاجتي أن تأمر بقتلي فلا خير في الحياة بعد يميني . فأمر كسرى به فضربت عنقه . فلمّا دخل ابنه هرمز على كسرى قال له : من أنت ؟ قال : أنا ابن مردانشاه فاذوسبان بابل . فقال : أنت لعمري صاحبي كنت قتلت أباك ظلما فدونك وما أمرت به . وكان معه طبرزين ، فضرب به كسرى على عضده فلم يحك فيه لأن كسرى كان في عضده خرزة لا يعمل الحديد فيه من أجلها ، فضرب الشاب بيده إلى عضده وقطع تلك الخرزة ثمّ ضربه بالطبرزين حتى مات ، وانصرف إلى شيرويه فأخبره ، فأمر بقتله ، ثمّ هلك شيرويه بعد قتل أبيه بثمانية أشهر . وقد قالت الحكماء : ومن جرّب من الأوائل أن الرجل إذا قتل أباه وأخاه لم يمتّع بعدهما إلّا أربعة أشهر أو ما هو فوق ذلك بيسير وربّما سلط عليه السهر فلا يزال كذلك إلى أن يتلف . قال : وقيل للمأمون : إن بني عليّ بن صالح مجّان سفهاء . فقال المأمون : يا عليّ أحضر ولدك الأكابر والأصاغر فإني أريد أن أرتّبهم وأرشّحهم للأمر الذي يصلحون له . فانصرف عليّ فأخبر ولده بذلك وأمرهم بالركوب . فاستعدّوا وتزيّنوا بأحسن هيأة واستأذن لهم فدخلوا وسلّموا . فقال لهم المأمون : تركتم الأدب واطّرحتموه وآثرتم المجون والسّفه ، هذا وأبوكم أحد الفقهاء والعلماء يستضاء برأيه ويحمد مذهبه . فأقبل على عليّ فقال : أمّا على ذلك فما الذنب إلّا لك إذ تركتهم يتتابعون في المجون وتركوا ما كان أولى بك وبهم أن تأخذهم به . فقال علي : ولا سيّما يا سيّدي هذا الكبير فإنّه باقعة لا واللّه ما لي بهم قوّة ولا يد وهذا الكبير أفسدهم وهتكهم وزيّن لهم سوء أعمالهم فصدّهم عن السبيل فهم لا يهتدون .

--> ( 1 ) بابل : مدينة في العراق . ( 2 ) ناحية من نواحي بابل .