ابراهيم بن محمد البيهقي

374

المحاسن والمساوئ

قال : وقال عبد اللّه صاحب المأمون : دخلت على المأمون فإذا نطع مبسوط ورجل فوقه على رأسه رجل مسلول سيفه . فلمّا نظر إليّ المأمون قال : يا عبد اللّه شأنك والرجل . فحسرت عن ذراعي وقمت فوق رأسه واخترطت سيفي ، فسلّط على المأمون النعاس فجعل يخفق برأسه ويقول : أستخير اللّه . فلمّا كان عند المساء قال لي : شأنك والرجل احفظه . فطرحت حمائل سيفي في عنقه وأردفته خلفي وذهبت به إلى منزلي ثمّ عدت اليوم الثاني إلى المأمون ففعل كفعله أمس . فلمّا كان اليوم الثالث قال لي المأمون : خلّ عن الرجل وأعطه عشرة آلاف درهم . فأردفته خلفي ولم أجعل حمائل السيف في عنقه . فقال لي : ما لك لم تلق حمائل السيف في عنقي ؟ قلت : إنّه قد عفي عنك . قال : فخلّ عني إذا . قلت : أمرني أن أعطيك عشرة آلاف درهم . قال : لا حاجة لي فيها ، خلّ عني . قال : إذا أمرنا ب . مر انتهينا إليه . ثمّ قلت له : كنت تهمهم في قفاي إذا أنا أردفتك بشيء فما كنت تقول ؟ قال : كنت أقول : اللهمّ أنت كلّ يوم في شأن لا يشغلك شأن عن شأن فاجعلني من شأنك حتى تنقل ما في قلب هذا الرجل من الغضب إلى الرضى ومن الغلظة إلى اللّين والرقّة يا أرحم الراحمين . وعن إبراهيم بن المهديّ أنه بينا هو في مجلس المأمون إذ تكلّم بكلام أسقط فيه وكان كلامه يحتمل أمرين . فقام وعلم أنّه قد أخطأ فقال : إن رأى سيّدي أن يأذن لي في الكلام . قال : قل . قال : نساؤه طوالق وماله صدقة وعبيده أحرار وكلّ نذر وضعه اللّه جلّ وعزّ بين عباده ففي عنقه دون الخلق حتى يفي به إن كان ما تكلّم به إلّا لجهة كذا وكذا وتأويل كذا وكذا . قال : فتبسّم المأمون وقال : اجلس ، إني واللّه ما ذهبت حيث ظننت وما كنت لأعفو عن الكلّ وآخذ بالجزء ، ولولا أني في مجلس يرقّ عن الإغضاء على أكثر الحالات ثمّ بلغ مني رجل ما يبلغ من عبده ما وجد عندي إلّا الصفح والعفو ، وما أحسبني أؤجر عليه إذ كان لا يؤثر فيّ وإنّما الأجر بقسط الألم وميزان المضض . وعن بعضهم أنّ واليا أتي برجل قد جنى جناية فأمر بضربه ، فلمّا مدّ قال : بحقّ رأس أمّك إلّا عفوت عني ! فأبى . فقال : بحقّ عينيها ! قال : اضرب . قال : بحقّ خدّيها ونحرها ! قال : اضرب . قال : بحقّ ثدييها ! قال : اضرب . قال : بحقّ سرّتها ! قال : دعوه لا ينحدر إلى أسفل . مساوئ تعدي السلطان قال : قال جميل بن بصبهري : إيّاك أن تصحب السلطان بالجرأة عليه والتقصير في المعرفة بقدره والتهاون بأمره ، ولتكن صحبتك له بالحذر وشدّة التوقّي كما تصحب الأسد