ابراهيم بن محمد البيهقي
371
المحاسن والمساوئ
الساعة فخذ منصور بن زياد بالخروج من عشرة آلاف ألف درهم فإن لم يوردها بينك وبين المغرب فاضرب عنقه وجئني برأسه وأنا نفيّ من المهديّ لئن أنت دافعت عنه لأضربنّ عنقك . قلت : يا سيّدي فإن أعطاني بعضها ووقت لي في بعضها وقتا ؟ قال : لا . فخرجت فأعلمته الخبر فأسقط في يده وقال : ما أراد إلّا قتلي لأنّه يعلم أنّ مقدار مالي لا يبلغ ما به طالبني ، ولكن تأذن لي أن أدخل بيتي فأودّع أهلي ؟ فأذنت له فدخل ودخلت معه وبقيت واقفا فبعث إلى أمّهات أولاده وبناته ونسائه أن اخرجن إليّ كما كنتنّ تخرجن عند موتي فإنّ هذا آخر أيّامي ولا ستر لكن بعدي . فخرجن إليه مشقّقات الجيوب مخمّشات الوجوه بصراخ شديد . فبكى إليهنّ وبكين إليه وبكيت معهنّ ثمّ ودّعهن وخرج وهنّ في أثره واضعات التراب على رءوسهنّ ، ثمّ قال : يا أبا مقاتل لو أذنت لي في المصير إلى أبي عليّ يحيى بن خالد البرمكي فكنت أوصيه بولدي وأهلي ؟ فقلت : امض . وصرنا إليه وقد نزل في ساعته وهو على كرسيّ يغسل يده ، فلمّا توسّطنا الدار جعل منصور يبكي ويمشي إليه حتى دنا منه وهو يسأله عن الحال فيمنعه البكاء من إخباره ، فأقصصت عليه قصّته فقال : ارجع إلى أمير المؤمنين وسله أن يهبه لي . قلت : ما لي إلى ذلك سبيل ولا يراني إلّا والمال معي أو رأس منصور كما أمرني . فقال لخادم له : ائت فلانة فسلها كم لنا عندها من المال . فانصرف وذكر أن عندها خمسة آلاف ألف درهم . فقال لي : احملها وأبلغ أمير المؤمنين رسالتي في باقيها . فأعلمته أن لا سبيل إلى حمل بعضها دون بعض . فأطرق ثمّ رفع رأسه ثمّ قال : يا غلام ائت دنانير فقل لها تبعث إليّ بالجوهر الذي وهبه لها أمير المؤمنين . فبعثت إليه بحقّ فقال : هذا جوهر ابتعناه لأمير المؤمنين بمائتي ألف دينار وهو عارف به وقد جعلته له بمائة ألف دينار وهو ألفا ألف درهم ، واحمل إليه هذه السبعة الآلاف الألف والرسالة . فأبيت . فوجّه إلى الفضل ابنه : إنّك كنت أعلمتني أنّك على ابتياع ضيعة نفيسة وقد أصبتها ولا يوجد مثلها في كلّ وقت وابتياعها فرصة فاحمل إليّ مالها . فعاد الرسول ومعه ألفا ألف درهم . ووجّه إلى جعفر ابنه أن يوجّه إليه بألف ألف درهم . فأنفذ إليه صكّا أو صكاكا إلى الجهبذ بها . فقبضت المال ووافيت الرشيد قبل المغرب وهو منتصب على حالته ينتظر رجوعي إليه . فأخبرته الخبر فلمّا انتهيت إلى خبر الحقة قال : صدق وقد ظننت أنّه لا ينجيه غيرهم ، احمل هذا المال أجمع إلى أبي عليّ واردده عليه وأعلمه أني قد قبلت ذلك عن منصور ورددته عليه . ففعلت ذلك . ولقيني بعد ذلك يحيى منصرفا من الدار ومنصور معه يسايره ويضاحكه والناس خلفه فقلت : واللّه لأنصحنّ هذا الشيخ الكريم . فدخلت معه ودخل منصور ودعا بغدائه ، فلمّا نهض